للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قيل: كيف قَدَّمَ بِرَّ الوالدين على الجهاد في الحديث الثاني قال العلماء: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدما عليه (١).

وأما تقديم الجهاد وهو ليس بركن على الحج وهو ركن فذلك لأن نفع الحج قاصر غالبًا، ونفع الجهاد متعد غالبًا، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر فكان أهم منه فقدم.

قال ابن الملقن: قدم الجهاد في هذا الحديث على الحج مع أن الحج أحد الأركان والجهاد فرض كفاية؛ لأنه قد يتعين كما في سائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعين لا يقع إلا فرض كفاية، وأما الحج فالواجب منه مدة واحدة فقط، فإن قابلت واجب الحج بتعيين الجهاد وكان الجهاد أفضل لهذا الحديث، ولأنه شارك الحج في الفرضية، وزاد عنه بتعدي نفعه إلى سائر الأمة، ولكونه ذبًا عن بيضة الإسلام، لكونه بذلًا للنفس والمال وغير ذلك، وإن قابلت نفل الحج، بغير متعين كان الجهاد أفضل لا ذكرناه، ولأنه يقع فرض كفاية وهو أفضل بلا شك (٢).

بل قال إمام الحرمين: فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين؛ من حيث أن يقع فعله مسقطًا للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولا شك في عظم موقع ما هذه صفته (٣).

ومن هنا يتبين لنا لماذا يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بر الوالدين أحيانًا ويقدمه على الجهاد، ولماذا يذكر الجهاد ويقدمه على الحج.

يقول القرطبي: تفضيل الجهاد في حال تعيينه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان فلا يجاهد إلا بإذنهما. (٤)


(١) شرح مسلم للنووي ١/ ٣٥٤.
(٢) التوضيح شرح الجامع الصحيح ٢/ ٦٣١.
(٣) التوضيح شرح الجامع الصحيح ٢/ ٦٣١ وما بعدها.
(٤) فتح الباري ٥/ ١٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>