للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لَيْسَتَا مِمَّنْ يَتَغَنَّى بِعَادَةِ المُغَنِّيَات مِنْ التَّشْوِيق، وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيض بِالْفَوَاحِشِ، وَالتَّشْبِيب بِأَهْلِ الْجَمال، وَمَا يحرِّك النّفوس، وَيَبْعَث الْهَوَى وَالْغَزْل، كَمَا قِيلَ (الْغِنَاء فِيهِ الزِّنَا) (١)، وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنْ اِشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاء الَّذِي فِيهِ تَمْطِيط، وَيمْسِير، وَعَمَل يحرِّك السَّاكِن، وَيَبْعَث الْكَامِن، وَلَا مِمَّنْ اِتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَة وَكَسْبًا.

وَالْعَرَب تُسَمِّي الْإِنْشَاد غِنَاء، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْغِنَاء المخْتَلَف فِيهِ بَلْ هُوَ مُبَاح، وَقَدْ اِسْتَجَازَتْ الصَّحَابَة غِنَاء الْعَرَب الَّذِي هُوَ مجُرد الْإِنْشَاد وَالتَّرَنُّم، وَأَجَازُوا الحُدَا، وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- وَفِي هَذَا كُلّه إِبَاحَة مِثْل هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا وَمِثْله لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يَخْرُج الشَّاهِد". (٢)

وقال ابن الأثير: (وعندي جاريتان تُغَنِّيان بِغِناء بُعاث) أي: تُنْشِدان الأشْعار التي قِيلت يوم بُعَاث وهو حَرْب كانت بين الأنصار ولم تُرِد الغِنَاء المعروف بين أهْل اللهو واللَّعِب. وقد رخَّص عمر في غِناء الأعراب وهو صَوْتٌ كالحُداء. (٣)

وقد ذكر الإمام ابن حبان هذا الحديث في عدة مواضع من (صحيحه) قال: ذكر إباحة القول إذا لم يكن بغزل في أيام العيد. (٤)

وقال: ذكر البيان بأن الغناء الذي وصفناه، إنما كان ذلك أشعارًا؛ قيلت في أيام الجاهلية؛ فكانوا ينشدونها ويذكرون تلك الأيام دون الغناء الذي يكون بغزل يقرب سخط الله -عز وجل- من قائله. وكرر ذكر الحديث تحت هذه العناوين (٥).

وقال ابن رجب الحنبلي: وكان الشِعْرُ الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب؛ وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش


(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٥٧) عن فضيل بن عياض (الغناء رقية الزنا) والإسناد ضعيف.
(٢) شرح مسلم (٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، وانظر: الفتح ٢/ ٥١١.
(٣) النهاية ٣/ ٣٩٢.
(٤) صحيح ابن حبان ١٣/ ١٨٠.
(٥) صحيح ابن حبان ١٣/ ١٨٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>