للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إما رجاء الإسلام في مستقبل الأزمان من المقر على الكفر بأخذ الجزية منه سيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام والإلجاء إليه بالذل والصغار في أخذ الجزية فيلزم من إسلامه إسلام ذريته فتتصل سلسلة الإسلام من قبله بدلًا عن ذلك الكفر المقر عليه.

وإما رجاء إسلام ذريته المخلفين من بعده أو من ذرية ذريته إلى يوم القيامة، وساعة من إيمان تعدل دهرًا من كفر، ألا ترى أن اللَّه تعالى خلق آدم على وفق الحكمة وعدَّ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خلقه في يوم الجمعة من جملة البركات الموجبة لتعظيمه، فقال في الحديث الصحيح: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة" (١)؛ لأن خلقه سبب وجود الأنبياء عليهم السلام، والصالحين، وأهل الطاعة، والمؤمنين، وإن كان أكثر ذريته كفارًا؛ ففي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه تعالى يقول لآدم -عليه السلام-: ابعث بعث النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فيبقى من كل ألف واحد" (٢)، والبقية كفار فُجّار من أهل النار والمعاصي والفجور، إذ لا عبرة بكثرة الكفار لأجل ذلك المسلم الواحد؛ لأن ذلك الواحد تربو مصلحة إسلامه على مفسدة أولئك الكفار، وأنهم كالعدم الصرف بالنسبة إلى نور الإيمان وعبادة الرحمن فتأمل ذلك.

وبالجملة فعقد الجزية لما كانت ثمرته توقع الإيمان من الأصل أو من أحد الذراري الذي لا يعادله شيء من ذلك الكفر الواقع من غيره لا مجرد تحصيل مصلحة تلك الدراهم المأخوذة منه - كان من آثار رحمة اللَّه تعالى، ومن الشرائع الواقعة على وفق الحكمة الألهية؛ فلذا أباحته القواعد الشرعية، ولم يُلتفت إلى قول بعض الطاعنين في الدين في إيراده سؤالًا في الجزية: إن شأن الشرائع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناها، وتفويت المصلحة الدنيا بدفع المفسدة العليا، ومفسدة الكفر تربو على مصلحة المأخوذ من الجزية من أموال الكفار


(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٤١)، والنسائي (١٤٣٠)، وأبو داود (١٠٤٦)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٩٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٧٠)، ومسلم (٢٢٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>