للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان أهل الشام يقرؤن بقراءة أبي بن كعب، وكان أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فتنازع أهل الشام وأهل العراق في القراءة، حتى خطَّأ بعضهم بعضًا، وأظهر بعضهم إكفار بعضٍ، والبراءة منه، وكادت تكون فتنة عظيمة. وكان السبب وراء هذا الخلاف عدم مشاهدة هؤلاء نزولَ القرآن، وبُعْدهم عن معاينة إباحة قراءته بأوجه مختلفة، فظنَّ كلٌّ منهم أن ما يقرأ به غيره خطأ لا يَجوز في كتاب الله، فكادت تكون تلك الفتنة (١).

قال مكي بن أبي طالب: وكان قد تعارف بين الصحابة - رضي الله عنهم - على عهد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن ينكر أحدٌ ذلك على أحدٍ لمشاهدتهم من أباح ذلك، وهو النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -. فلمَّا انتهى ذلك الاختلاف إلى ما لم يعاين صاحبَ الشرع، ولا علِم بِما أباح من ذلك، أنكر كلُّ قومٍ على الآخرين قراءتَهم، واشتد الْخصام بينهم (٢).

رأى هذا الخلاف العظيم حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، إضافةً إلى ما رآه من الاختلاف بين الناس في القراءة في العراق، ففزع إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وأنذره بالخطر الداهم، وانضم ذلك إلى ما عاينه عثمان من الخلاف بين المعلمين وكذلك بين الغلمان، فصدّق ذلك ما كان استنبطه من أن من كان أبعد من دار الخلافة بالمدينة فهو أشدُّ اختلافًا.

عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ - رضي الله عنه - قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ - رضي الله عنه -، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشام فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (٣).

وعن زيد بن ثابت: أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ النَّاسَ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْت فَرْجَ أَرْمِينِيَةَ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ الشَّامِ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يقرءون بِقِرَاءةِ أُبَيٍّ، فَيَأْتُونَ


(١) مناهل العرفان ١/ ١٧٨، تحفة الأحوذي ٨/ ٤١٠ بتصرف يسير.
(٢) الإبانة عن معاني القراءات (٤٨ - ٤٩).
(٣) البخاري (٤٩٨٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>