للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

للمشركين عسي أن عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} وتأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق مراعي فيه حال المشركين الشاكين في أنه من عند الله، والتيسير إيجاد اليسر في الشيء كقوله {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} أو قول كقوله {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} واليسر السهولة وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شيء.

وإذ كان القرآن كلامًا فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يُراد من الكلام وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن. وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فلذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة.

وأما من جانب المعاني، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له.

هذا وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينَه تصريحًا كقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، وتعريضًا كقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ}، فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق. وفي الحديث: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلَّا نزلتْ عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده". (١)

قلت: فظهر بهذه الآية أن الله وعد وأخبر أن القرآن ميسر كله لكل أجناس البشر الذين يطلبون الحق ولهذا نرى في الناس من لا يحسن العربية شيًا لكن يقرأ القرآن قراءة صحيحة فسبحان من يسر القرآن للذكر.

فإن قال هذا صعب فالجواب من وجوه:

الأول: أنه تلزمه القراءة هكذا ولا يجوز له أن يترجم القرآن ترجمة حرفية ومن دخل


(١) التحرير والتنوير (٢٧/ ١٨٨، ١٨٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>