للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفسق - وهو الخروج مما حقه المكث فيه والتقيد به وهو هنا الطاعة - خلقًا من أخلاقهم ولازمًا من لوازمهم؛ بل يَكِلُهم إلى نفوسهم فيخسروا الدنيا والآخرة (١).

قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ونحوها من الآيات، ومعلوم أنه لم ينفِ هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة؛ فإنه حجته على عباده، وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها: هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب؛ فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة، وهذا التأويل من أبطل الباطل؛ فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته قسمين: قسمًا لا يقدر عليه غيره، وقسمًا مقدورًا للعباد فقط، في القسم المقدور للغير: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، وقال في غير المقدور للغير: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}، وقال: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ}، ومعلوم قطعًا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تُنفى عنه، وكذلك قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان؛ فإن هذا يُهدى وإن أضله الله بالدعوة والبيان؛ قال ابن مسعود: - رضي الله عنه - "علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا لله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (٢).

وعند أبي داود عن عبد الله بن الحارث قال: خطب عمر بن الخطاب بالجابية، فحمد الله وأثنى عليه، وعنده جاثليق يترجم له ما يقول، فقال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، فنفض جبينه كالمنكر لما يقول، قال عمر: ما يقول؟

قالوا: يا أمير المؤمنين، يزعم أن الله لا يضل أحدًا، قال عمر: كذبت أي عدو الله؛ بل


(١) تفسير نظم الدرر للبقاعي (٣/ ٢٩٢).
(٢) الترمذي (١١٠٥) قال الترمذي: حديث صحيح، وصححه الألباني في ظلال الجنة (٢٥٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>