للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ففي قول خالد: (اجلس فإن هذا ليس منك في شيء)، دليل أن هذا الأمر خاص بالقائد في اتخاذ القرار.

وحلف أبو قتادة على أنه لا يغزو مع خالد أبدًا: هذا أمر خاص به، مع أن كثيرًا من الصحابة خرجوا مع خالد بعد ذلك، فهذا يُبين أن هذا اجتهادُ فردي من أبي قتادة مبني على اختلاف وجهة نظره مع خالد، ولا يُشترط اختلاف خالد معه في ذلك الموقف أنه سوف يختلف معه في باقي المواقف في المستقبل، فقد حَرَمَ أبو قتادة نفسه من الخير، لأن المعارك التي غزاها خالد بعد ذلك في العراق والفرس أكثر من غيره، ومع ذلك فإن خالدًا يرد مظالم ابن عمر بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدًا لابْنِ عُمَرَ أَبَقَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَرَدَّهُ عَلَى عَبْدِ الله، وَأَنَّ فَرَسًا لابْنِ عُمَرَ عَارَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ فَرَدُّوهُ عَلَى عَبْدِ الله (١)، وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ لقي المسْلِمُونَ، وَأَمِيرُ المسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَلَمّا هُزِمَ الْعَدُوُّ رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ. (٢)

ثانيًا: ما حدث بين عمر وخالد: فقد تحدثنا سابقًا ببيان رجحان قول أبي بكر على قول عمر في قضية قتل خالد لمالك، وهناك أيضًا مواقف أخرى تبين موقف عمر من خالد كان مرجوحًا لا راجحًا، وهذه آراء يُحترم فيها الرأي والرأي الآخر ولا نُسفه أحدهما: فهناك آراء لعمر تجاه خالد قد يُخالفه فيها الصحابة، فعَنْ نَاشِرَةَ بْنِ سُمَيٍّ الْيَزَني، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- يَقُولُ، فِي يَوْمِ الجابِيَةِ، وَهُو يَخْطُبُ النَّاسَ: إِنَّ الله -عز وجل- جَعَلَنِي خَازِنًا لِهَذَا المَالِ وَقَاسِمًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الله يَقْسِمُهُ، وَإِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، إِنِّي أَمَرْتُهُ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا المَالَ عَلَى ضَعَفَةِ المهَاجِرِينَ، فَأَعْطَاهُ ذَا الْبَأْسِ وَذَا الشَّرَفِ، وَذَا اللَّسَانَةِ، فَنزعْتُهُ، وَأَمَّرْتُ أَبَا عُبَيْد بنَ الجرَّاحِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المغِيرة: وَالله مَا أَعْذَرْتَ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ نَزَعْتَ عَامِلًا اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَغَمَدْتَ سَيْفًا، سَلَّهُ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-،


(١) البخاري (٣٠٦٨).
(٢) البخاري (٣٠٦٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>