للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيرًا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فأطلقهم الأمير التتري جميعًا (١).

قال محمد علي بن حسين المكي المالكي: عقد الذمة لما كان عقدًا عظيمًا فيوجب علينا حقوقًا لهم منها ما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع، ونجعلهم في جوارنا، وفي حق ربنا، وفي ذمة اللَّه تعالى وذمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذمة دين الإسلام.

والذي إجماع الأمة عليه أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع، والسلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة اللَّه تعالى، وذمة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة، ومنها أن من اعتدى عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة اللَّه تعالى، وذمة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذمة دين الإسلام تعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يؤدي إلى أحد الأمرين أحدهما ما يدل ظاهره على مودات القلوب وثانيهما ما يدل ظاهره على تعظيم شعائر الكفر وذلك كالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم، والرحمة لا على سبيل الخوف، والذلة، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفا منا بهم لا خوفا، وتعظيما، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم، ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم، ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم، وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله، ومن العدو أن يفعله مع عدوه؛ فإن ذلك من مكارم الأخلاق.

إلا أنه ينبغي أن يكون لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم بل امتثالًا منا لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- مع كوننا نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من


(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦١٧ - ٦١٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>