للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).

فكان هذا هو الأليق بالحكمة أن تكون معجزة خاتم النبيين باقية من بعده، فلن يأتي نبيٌّ آخر ينذر الناس، بل هذه المعجزة التي هي كلام رب العالمين هي فيهم مقام المنذر والواعظ والناصح، فلا بد أن تكون كلامًا ربانيًا يحوي علمًا وتشريفًا للناس، هذا والذي جاء بهذا الكلام المبين الفصيح الذي يحتوي على العلم والتشريع والفصاحة والبلاغة رسول منهم يعرفونه؛ أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاءهم بكتاب فصيح بلغتهم، ويقول هذا كلام الله ويأمركم أن تتركوا ما وجدتم عليه آباءكم من عبادة الأصنام ومساوئ الأخلاق.

ويأتي التحدي على أن يأتوا بمثل هذا القرآن؛ قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: ٨٨]، ووجه الخطاب إليهم أن يأتوا بعشر سور فقط مثله، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)} [هود: ١٣]، فعجزوا عن ذلك وعن ما هو دونه كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)} [يونس: ٣٨]، فلما عجزوا عن ذلك أرادوا أن يقدحوا في الكتاب المنزل وفي ربانية الكلام الذي فيه، وأنه من تأليف الرسول، وأنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون.

يقول سيد قطب: حتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام ١٩٥٤ كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد هو محمد؛ بل من عمل جماعة كبيرة، وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية؛ بل إن بعض أجزائه كتب خارجها.

دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد، وعلى علم أمة واحدة، ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم: إنه من وحي رب العالمين؛ لأنهم ينكرون


(١) البخاري (٤٩٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>