للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هل يطلب مساعدة من الدولة ليتمكن من زراعة كلية؟

[السُّؤَالُ]

ـ[عندي مشكلة بصديق لدي عنده كلية شبه متعطلة وتحتاج زراعة كلية والكلية الأخرى لديه لا تتحمل ضغط الجسم طرحنا عليه فكرة رفع التقارير لأهل الخير سواء عن طريق الحكومة أو الأمراء أو الملوك حتى يساعدوه لكن صديقي رافض الفكرة ويعتبرها من الشحاذة وأنه سيفقد كرامته، فإما أن يدفع تكاليف العملية، أو يبقى وتتدهور صحته وربما يفقد الكلية الأخرى بسبب التأخر في إجراء العملية وهو لا يستطيع تجميع مبلغ العملية إلا بعد سنوات ربما من الآن فيا ليت تقدمون له النصيحة وهل ما يفعله يعتبر انتحارا؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يشفي صديقك ويعافيه، ويرزقه الصبر واحتساب الأجر، وأن يجزيه خيرا على تعففه وحرصه على صيانة ماء وجهه وتنزهه عن سؤال الناس.

ثانيا:

التداوي مشروع من حيث الجملة، لما روى أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: (تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحد. قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم) أخرجه الترمذي (١٩٦١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

ثالثا:

اختلف العلماء في حكم التداوي، فذهب جمهورهم إلى عدم وجوبه، وذهب جماعة منهم إلى وجوبه إذا خشي الإنسان على نفسه التلف بتركه.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: " ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد " نقله السفاريني في "غذاء الألباب" (١/٤٥٩) .

وقال في "تحفة المحتاج" (٣/١٨٢) : " ونقل عياض الإجماع على عدم وجوبه، واعتُرض بأن لنا وجهاً بوجوبه إذا كان به جرح يخاف منه التلف" انتهى.

وفي حاشيته: "عن البغوي أنه إذا علم الشفاء في المداواة وجبت " انتهى.

وفي حاشية قليوبي وعميرة" (١/٤٠٣) : " وقال الإسنوي: يحرم تركه في نحو جرح يظن فيه التلف" انتهى.

وهذا يؤخذ منه أن الدواء إذا تُيقن نفعه وكان المرض مما يخشى منه التلف، وجب التداوي، فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك.

وقد أخذ مجمع الفقه الإسلامي بالقول بوجوب التداوي إذا كان تركه يفضي إلى تلف النفس أو أحد الأعضاء أو العجز، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية. انظر نص قرار المجمع في جواب السؤال رقم (٢١٤٨)

وأما زراعة الكلية فليس مما يتقين نفعه، فلا يجب، ولا يكون تارك ذلك آثما ولا منتحرا، لكن يستحب لمن ابتلي بذلك أن يسعى في العلاج بالزراعة إن تيسرت أو بغيرها مما أنزل الله من الدواء.

رابعا:

لا حرج على صاحبك أن يقدم طلب مساعدة من الدولة، فليس هذا من المسألة المذمومة؛ لما روى الترمذي (٦٨١) والنسائي (٢٦٠٠) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ) وصححه الترمذي والألباني في صحيح الترمذي.

ورواه أبو داود (١٦٣٩) بلفظ: (الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا) .

قال في "سبل السلام" (١/٥٤٨) : " كد أي خدش وهو الأثر، وأما سؤاله من السلطان فإنه لا مذمة فيه ; لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منّة للسلطان على السائل ; لأنه وكيل، فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه " انتهى.

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم شحذ الناس، أرجو التفصيل، متى يجوز ومتى لا يجوز؟

فأجابوا: "تحرم المسألة إلا من سلطان، أو في أمر لا بد منه؛ كإصابة المسلم بحاجة تحمله حمالة ونحو ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: (المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه) ، وقال صلى الله عليه وسلم لقبيصة: (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا حاجة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، -أو قال- سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكله صاحبه سحتا) رواه مسلم.

عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله بن قعود " انتهى.

"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٠/٧٦) .

وحديث قبيصة فيه تفسير الأمر الذي لابد منه، ودل هو وحديث سمرة على أن المسألة تباح في حالتين: سؤال ذي السلطان، والسؤال في الأمر الذي لابد منه.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>