للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أمها وأخواتها يسيؤون معاملتها ووالدها يتحرش بها

[السُّؤَالُ]

ـ[لي أب يعاكسني! كما لو كنت بنت عاهرة من الشارع! علماً بأنه مريض , وتكفلت بمصاريف علاجه الباهظ عسى أن تتغير تصرفاته معي، لكن الحال بقي كما هو، ويقول لي: "أنت ومالك لأبيك"! فكرتُ أن أهجر البيت خوفاً على عرضي، لكن إلى أين أذهب؟! وأمِّي لا تحس بي , وتميز إخوتي عليَّ، وهم بدورهم يغارون مني , ويؤثَِّرون عليها؛ لا أحد منهم يكلمني، أثَّر هذا على نفسيتي , وأنا مريضة , وعصبيَّة جدّاً , أقرأ في القرآن (وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناَ) ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بر الوالدين واجب حتى ولو ظلما , أحاول برَّهم، وأجد لهم أعذاراً. ما يحصل لأبي هو مرض نفسي، وأمي لم تتعلم، ولا تعرف كيف تتصرف في هذه الحالات، أحضر الهدايا، والأكل , لكن كل ما فعلت شيئاً صالحاً يقلبوه، ويسبوني به، أنا إنسانة ضعيفة الإيمان , أحاول التهرب من ظلمهم، حين أعود من العمل: ألزم الفراش، حتى إذا أردت الذهاب إلى المطبخ أتأكد من أن أبي ليس هناك كي أتجنب نظراته لي! علماً أنه يصلي، هو مَن علمني الصلاة، أنا لست جميلة، حتى جسمي ضعيف ليس فاتناً، أعرف أنه ابتلاء , أريد مرضاة ربي، أنا لست صبورة؛ أبكي، وأصيح، أحس في داخلي بركاناً. علِّموني الصبر؛ كي لا أخسر الدنيا، والآخرة.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

ينبغي لك أولاً:

أن تلجئي إلى الله بالدعاء أن يهدي والدك، وأن يشفيه، ثم بعد ذلك لا بد من إخبار أهلك عن صنيع والدك، ويجب عدم السكوت عن فعله؛ حتى لا يتكرر فعله معك، أو مع غيرك من إخوتك , ويجب عليك خلال ذلك: المحافظة على الحجاب الشرعي الكامل، أو الستر قدر الإمكان؛ فإنَّ كثيراً من حالات التحرش بين المحارم يكون سببها التساهل في كشف العورات أمامهم، فتجد الفتاة تلبس اللباس الضيق جدّاً، وتكشف ساقيها، وذراعيها، وأكثر من ذلك، بدعوى أنها تجلس مع محارمها، أو أهلها، وهي لا تدري أن الشيطان يسول للنفس كل مُحَرَّم، وأن المَحْرَم قد يفتن بما يراه من محاسن محارمه، وخاصة كما ذكرتِ أنه مصاب بمرض نفسي.

وكذلك يجب عليك الحرص على عدم الخلوة معه.

ثانياً:

من أعظم الأعمال الصالحة، وأحبها إلى الله: برُّ الوالدين , ولا يمكن لأحد ـ في الغالب ـ أن يجزي والديه على ما قدموه من رعاية، وتربية.

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلَاّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) رواه مسلم (١٥١٠) .

قال النووي رحمه الله:

أي: لا يكافئه، بإحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.

"شرح مسلم" (١٠/١٥٣) .

ولا شك أن من أعظم النفقة أجوراً وثواباً: نفقة الإنسان على أهله، من الوالدين، والإخوة، والأخوات، وإذا احتسبها المسلم: فله أجر عظيم.

فعن أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْراً: الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) رواه مسلم (٩٩٥) .

وإذا تصدق المسلم أو وصل رحمه فإنه لا ينتظر أجراً ولا ثواباً إلا من الله، ولعل الله أن يرزقه، ويوسع عليه بسبب هذه النفقة إذا احتسبها , وأن يفرِّج كربه، وهمَّه بما يقدِّم.

فعليك أن تستمري فيما تقدمينه إلى أهلك من معروف، من هدايا وغيرها، ولك جزاء ذلك إن شاء الله تعالى في الدنيا والآخرة.

وأما حديث (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) فالمقصود به: الخدمة والطاعة والرعاية، وليس المقصود منه المعنى الباطل الذي يذهب إليه والدك.

ثالثاً:

ربما تكون بعض الظروف التي يعيشها الإنسان، وما يصاحبها من غمٍّ، وهمٍّ: تُشعر الإنسان أن مَن حوله لا يكنُّون له المودة، والمحبة، أو لا يهتمون به , والحقيقة قد تكون غير ذلك، فلا يُتصور أن أمّاً لا تكنُّ محبةً لابنتها , وهي تراها ليل نهار تقوم بخدمتهم، وتلبي حاجاتهم، نعم، ربما يكون الحظ الأوفر من الحبِّ، والحنان، للصغار – مثلاً - , ولكن لا يعني ذلك بغضاً للأكبر، أو تخلٍّ عنه؛ وربما يكون السبب في ذلك: انطواءٌ من الإنسان على نفسه , وصاحَبَ ذلك عدم رفق , وسرعة غضب، كما ذكرت السائلة عن نفسها، وهو لعله ما جعل الآخرين يتجنبون الحديث معك؛ خوفاً من غضبك، أو من الاصطدام معك، وهذا معلوم بالتجربة.

والنصيحة لك: أن تغيِّري من نمط حياتك , وأن تتخلي عن انطوائك، وعصبيتك , وأن تبادري الحديث مع إخوتك , وأن تجربي أسلوب الملاطفة، والود؛ وسوف تري ما يكنُّه لك الأهل، من الأم، والإخوة، من حبٍّ، وحنان , وليس العلاج من ذلك: بالهرب، والانطواء، بل بالصبر، والإحسان؛ والود، والملاطفة.

وعليكِ الاستعانة قبل ذلك كله بالله تعالى، بالدعاء، والإنابة، والعمل الصالح، وخاصة: الصلاة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) البقرة/ ١٥٦.

رابعاً:

أما الصبر وما يعين عليه: فقد أمرك الله تعالى – كما سبق في الآية – بالاستعانة به؛ لما فيه من الأجور العظيمة، ولما فيه من منع المسلم من التعدي على شرع الله، ومن القيام بما أوجبه الله عليه.

كما نوصيك أن تتفكري في حقيقة هذه الدنيا , وأنها دار ابتلاء، واختبار، قال الله تعالى: (الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/ ١ - ٣.

واعلمي أن الصبر يمكن تحصيله بتعويد النفس عليه، ولو علم المسلم ما في الصبر من أجور: لجاهد نفسه حتى يكون من الصابرين.

فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) رواه البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) .

وعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .

ونوصيك بالتأمل في قصص الصابرين من الأنبياء، والصالحين؛ ففيها إعانة على الصبر.

خامساً:

اعلمي أن حقيقة الجمال هو جمال الروح، وليس جمال الجسد , والله تعالى لا ينظر إلى صور الخلق، ولا لأجسادهم، بل لقلوبهم، وأعمالهم.

فعَنْ أَبي هُرَيرَة رَضِي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُم) رواه مسلم (٢٥٦٤) .

فالجمال الحقيقي: في كرم الأخلاق، والأفعال الحسان، وفي طاعة الرحمن.

نسأل الله تعالى أن يلهمك رشدك، وأن يهدي أهلك

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>