للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هل له أن يأخذ مالاً مقابل ضربه وإهانته أمام الناس؟

[السُّؤَالُ]

ـ[أتاني مال نتيجة ضربي بالحذاء أمام جمع كبير من الناس، وأقر هذا المال مجلس عرفي، فما حكم هذا المال؟ وهل لي أن أتصدق منه على الفقراء والمحتاجين؟ وهل يحق لي تصريف أمور معيشتي من هذا المبلغ؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

لا حرج من التحاكم إلى تلك المجالس العرفية التي يعملها الناس لفض المنازعات والخصومات، بشرط أن يكون الحاكم فيها من أهل العلم بالشرع حتى يحكم بين الناس بما أنزل الله، لا بالأهواء والعادات والتقاليد التي كثيرا ما تكون مخالفة لحكم الله تعالى، فإن حكموا بما يوافق حكم الله فهو المطلوب، وإن حكموا بما يخالف حكم الله فلا عبرة بحكمهم، وهو حكم باطل، يجب رده، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠.

ثانياً:

اختلف العلماء في حكم " اللطمة " و "اللكمة" ونحوها، هل توجب القصاص أم التعزير؟ فذهب جمهورهم إلى أنها توجب التعزير وليس فيها القصاص، والذي عليه الصحابة رضي الله عنهم، والمحققون من أهل العلم أنها توجب القصاص.

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الديات، تحت بَاب " إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ؟ ":

"وَأَقَادَ (أي: اقتص) أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٌّ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ (أي: جروح) ". انتهى

وهذا القول هو الصحيح، ومن نقل الإجماع على خلافه فما أصاب، بل لو ادعى أحد إجماع الصحابة على هذا الحكم لم يكن ذلك بعيداً.

قال ابن القيم رحمه الله:

"وقد اختلف الناس في هذه المسألة - وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها مما لا يمكن للمقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه - هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر وهو التعزير؟ على قولين:

أصحهما: أنه شرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في " المترجم "، ونص عليه الإمام أحمد، قال شيخنا رحمه الله (أي: ابن تيمية) : وهو قول جمهور السلف.

والقول الثاني: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وقول المتأخرين من أصحاب أحمد حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه! وليس كما زعم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه؛ فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يعلم لهم مخالف فيه.

ومأخذ القولين: أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب إلى العدل؟

فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكأن العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزيز؛ فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح، ولا في القطع إلا إذا أمكنت المماثلة، فإذا تعذرت في القطع والجرح: صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة ونحوها لما تعذرت صرنا إلى التعزير.

وقال المجوزون للقصاص: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير، أما الكتاب فإن الله سبحانه قال: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان، واللطمة أشد مماثلة للطمة، والضربة للضربة من التعزيز لها؛ فإنه (أي: التعزير) ضرب في غير الموضع، غير مماثل لا في الصورة ولا في المحل ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتا منه بلا نص ولا قياس.

قالوا: وأما السنة [فذكر ابن القيم رحمه الله عدة أحاديث فيها إثبات القصاص في مثل ذلك] ثم قال: ولو لم يكن في الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلا وحجة.

" حاشية ابن القيم على تهذيب سنن أبي داود " (٧ / ٣٣٦، ٣٣٧) ، وانظر " الفتاوى الكبرى " (٣ / ٤٠٢) .

ثالثاً:

وإذا ثبت لك القصاص في الضربة التي وجهها لك الطرف الآخر: فإن لك أن تعفو عنه بالمجان إن رأيته ندم واستغفر واعتذر وصلح حاله، ولك أن تقتص منه بمثل ما فعل بك دون تعدٍّ ولا ظلم، ولك أن تعفو عن حقك في القصاص مقابل عوضٍ مادي، يحكم لك به القاضي الشرعي.

وإذا اقتصصتَ منه بمثل ما فعل بك فلا يجوز لك أن تأخذ مالاً مقابل الإهانة؛ لأنك أخذت حقك مماثلة، كما أن العوض الذي يُحكم لك به إنما هو مقابل الضربة لا مقابل الإهانة؛ لأن الإهانة ضرر معنوي، وهذا النوع من الضرر لا يجوز أخذ تعويض مالي مقابله، وعلى هذا عامة العلماء.

وقد جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم ١٠٩ (٣ / ١٢) بشأن موضوع " الشرط الجزائي " ما نصه:

"الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" انتهى.

وقد جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٣ / ٤٠) تحت عنوان " التعويض عن الأضرار المعنوية ":

"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بهذا، وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية" انتهى.

والخلاصة:

أن حقك: القصاص، أو العفو بالمجان - وهو أفضل إن كان ظهر من ذاك صلاح أو ندم، أو أخذ عوض عن حقك مقابل الضربة، وإذا استوفيتَ حقك بالقصاص فلا حق لك بعد ذلك في المال، أما إذا كنت ستأخذ حقك مالاً فقط ـ وهو الظاهر من سؤالك، فلا حرج عليك من الانتفاع به لنفسك أو التصدق به.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>