للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

التحذير من الوقوع في المشايخ وطلبة العلم وانتقادهم

[السُّؤَالُ]

ـ[هناك اناس يتكلمون في المشايخ وينقدونهم من باب أنهم ليسوا أنبياء ولا من الصحابة فهم ليسوا فوق مستوى النقد في رأيهم حيث أنهم بشر ويخطئون ومن حق العامة انتقادهم.. فما توجيه فضيلتكم جزاكم الله خيرا]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

لا شك أن الأصل العام هو حرمة المسلم، والحفاظ على ذلك من المهمات المؤكدة في الدين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) . رواه مسلم (٢٥٦٤) .

وفي أعظم جمع اجتمع حول النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع التي حجها بأصحابه، قال صلى الله عليه وسلم:

(فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا؛ لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ) متفق عليه.

ثانيا:

إذا تعلق الأمر بأهل العلم والكلام فيهم، فالأمر فيهم أشد، والتبعة أجل وأعظم.

وما أحسن ما قال أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله:

" اعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنشر العلم خلق ذميم، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم، إذ قال مثنيا عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر /١٠

والارتكاب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتياب وسب الأموات جسيم، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " انتهى.

"تبيين كذب المفتري" (ص ٢٩-٣٠) .

والآية السابقة التي ذكرها أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله، وإن كانت تذكر دعاء المؤمنين الخالفين، لمن سبقهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالأدب الذي فيها عام لكل تابع في الخير، مع من سبقه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" المعنى المقتضي لذلك يعم الصحابة، وسائر طبقات الأمة، إذ كل طبقة متأخرة ينبغي أن تستعمل مع الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية ". انتهى.

"جواب الاعتراضات على الفتيا الحموية" (١٦١) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله:

" وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين السابقين، من الصحابة ومن قبلهم ومن بعدهم.

وهذا من فضائل الإيمان: أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين، التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا.

ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين".

"تفسير السعدي" (٨٥١) .

وقد قال ابن المبارك رحمه الله: " من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ".

"سير أعلام النبلاء" (٨/٤٠٨)

وقال الطحاوي رحمه الله في "عقيدته" (٥٧) : " وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر - لا يُذْكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ".

ثالثا:

لا يعني ذلك أن أولئك العلماء معصومون من الخطأ، أو أنه لا يرد عليهم ما أخطأوا فيه؛ لكن ينبغي أن يكون الرد عليهم بأدبه؛ فلا يهدر صوابهم وخيرهم لأجل خطأ أخطأ فيه الواحد منهم، ولا يكون الدافع إلى ذلك جهل أو هوى أو عصبية؛ ثم الذي يتولى الرد عليهم، والبحث معهم: هو من تأهل لذلك من أهل العلم الثقات، الذي يحسن أن يزن الأمور بيمزان الشرع، فلا وكس ولا شطط.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله، بمعرفة دينه، والعمل به، وحقوق المؤمنين، متقدميهم ومتأخريهم، بالاستغفار وسلامة القلوب.

فإن من كان له لسان صدق ـ بل ومن هو دونه ـ إذا صدر منه ما يكون منكرا في الشرع؛ فإما أن يكون مجتهدا فيه، يغفر الله له خطأه، وإما أن يكون مغمورا بحسناته، وإما أن يكون قد تاب منه.

بل من هو من دون هؤلاء، إذا فعل سيئة عظيمة، فالله يغفرها له؛ إما بتوبة، وإما باستغفاره، وإما بحسناته الماحية، وإما بالدعاء له، والشفاعة فيه، والعمل الصالح المهدى إليه، وإما أن يكفر عنه بمصائب الدنيا، أو البرزخ، أو عرصات القيامة، أو برحمة الله تعالى.

فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقى القول السيء في أعيان المؤمنين المتقين، ويؤدي الواجب في دين الله، والقول الصدق، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه.

وكما أن هذا الواجبُ في المسائل العملية، فكذلك في هذه المسائل الخبرية، لا سيما فيما يغمض معناه، ويتشبه على عموم الناس الحق فيه بالباطل؛ فهذا المسلك يجب اتباعه؛ إذ قل عظيم في الأمة إلا وله زلة ...

فلا بد من رعاية حق الله بالواجب في الإثبات والنفي، والأمر والنهي، وحق عباده المؤمنين، بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم، من المحبة والموالاة، وتوابع ذلك، واجتناب البغي والعدوان عليم ". انتهى.

"جواب الاعترضات المصرية على الفتيا الحموية" (١٦٢-١٦٣) .

وقال ابن القيم رحمه الله: " معرفة فضل أئمة الإسلام، ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأنَّ فضلَهم وعلمَهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كلِّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ علمهم والحقُّ في خلافها، لا يوجب اطِّراح أقوالهم جملة، وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا نؤثم ولا نعصم "

إلى أن قال: " ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أنَّ الرَّجلَ الجليل الذي له في الإسلام قدَم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلَّة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين " انتهى

"إعلام الموقعين" (٣/٢٨٣) .

فحذار حذار من الوقوع في أهل العلم والإسلام، والجرأة على ذلك المقام الخطر، وتقحم الإنسان فيما لا يعنيه، والسلامة السلامة، لدينك وعرضك.

وننصح بمراجعة كتاب: "حرمة أهل العلم " للشيخ محمد أحمد إسماعيل، والانتفاع به.

وينظر: إجابة السؤال رقم: (٢١٥٧٦) .

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>