للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

مسئولية الأخ الأكبر على شقيقاته الصغار والكبار بعد وفاة والده من حيث المال والتزويج

[السُّؤَالُ]

ـ[عندي أسئلة مهمة، وأرجو منكم الرد عليها بالرد العلمي، مع ذكر المصادر، وأقوال أهل العلم السابقين، أو اللاحقين، على أن يكون واضحاً؛ لأنني بصدد تقديمه لأحد الشيعة، وأعلم مقدماً إنني سأجد جواباً على بعض أسئلتي من ضمن موقعكم المبارك، ولكنني تعمدت أن أجعل جوابكم في ورقة واحدة غير مشتتة، فجزاكم الله عنا، وعن المسلمين خيراً. وأسئلتي هي: ١. إذا مات أبي، وجدي لأبي، وعندي أخت عمرها ١٠ سنوات، وقد بلغت التكليف الشرعي، وهي بكر، وعاقل، ولكوني أخاها هل لي ولاية، وسلطان، عليها، وعلى شئون حياتها إلى أن تتزوج؟ . ٢. وهل هناك حادثة جرت في السنَّة الشريفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في عهد الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم أجمعين أن قام أحد الصحابة بتزويج أخته وسأل رسول الله عن هذا الأمر لكي يوافق النص مضمون سؤالي. ٣. وما هو الترتيب الشرعي لولاية البنت الصغيرة، المكلفة، البالغ، العاقل، البكر، والثيب؟ . ٤. وهل يحق للثيب - المطلقة، أو الأرملة - أن تنكح نفسها من غير موافقة الولي؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

الولاية هي قيام شخص كبير، راشد، على شئون قاصر، الشخصية منها، والمالية، فهي على هذا نوعان:

الأولى: ولاية على النفس.

والثانية: ولاية على المال.

والولاية على النفس تشمل: شؤون التربية، والتعليم، والتطبيب، والتزويج، والأنوثة هي أحد أسباب هذه الولاية.

ففي " الموسوعة الفقهية " (٤٥ / ١٦٨) :

الولاية على النفس عند الفقهاء: سلطة على شؤون القاصر، ونحوه، المتعلقة بشخصه، ونفسه، كالتزويج، والتعليم، والتطبيب، والتشغيل، ونحو ذلك، تقتضي تنفيذ القول عليه شاء أم أبى.

وعلى ذلك قرر الفقهاء أن أسباب الولاية على النفس ثلاثة: الصغر، والجنون - ويلحق به العته -، والأنوثة.

انتهى

وقولهم في التعريف " شاء أم أبى " مع اشتمال الولاية للتزويج " هو باعتبار قول جمهور الفقهاء أنه يجوز للولي أن يجبر موليته على الزواج بمن شاء، وهذا قول ضعيف، وانظر جواب السؤال رقم: (٤٧٤٣٩) .

وقد فرَّق العلماء بين الولاية على الذكر، وعلى الأنثى، فقال جمهورهم باستمرار ولاية أهلها عليها، ووجوب العناية بها، حتى بعد بلوغها، وبعد زواجها.

وفي " الموسوعة الفقهية " (٨ / ٢٠٤، ٢٠٥) باختصار:

عند الحنفيّة: تنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً، واجتمع لها رأي، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها، وإن ثيّباً لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها، فللأب والجدّ الضّمّ، لا لغيرهما كما في الابتداء.

وعند المالكيّة: ... ، وبالنّسبة للأنثى: فتستمرّ الحضانة عليها، والولاية على النّفس حتّى تتزوّج، ويدخل بها الزّوج.

وعند الشّافعيّة: تنتهي الولاية على الصّغير - ذكراً كان أو أنثى - بمجرّد بلوغه.

وعند الحنابلة: ... ، وإن كانت أنثى: لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها أب: فلوليّها وأهلها منعها من ذلك.

انتهى

هذه أقوال المذاهب في وقت انتهاء مسئولية الأهل عن أولادهم، وكلمة العلماء تكاد تكون متفقة على أن مسئولية الأهل على ابنتهم تسمر حتى لو بلغت، ومنهم من جعل زواجها نهاية تلك المسئولية؛ وذلك من أجل وجود مسئول آخر عنها، ومنهم من اشترط كونها في مكانٍ آمن لا خوف عليها فيه.

ثانياً:

لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة أن الأخ الكبير هو الولي على أنفس أخواته بعد وفاة أبيه وجده، وهم قد اختلفوا في ترتيب الأولياء، لكنهم لم يختلفوا فيما لو أنه لم يكن لها أب، أو جد، أو ابن، أو وصي من أب: أنه يكون أخوها الشقيق وليّاً لها.

وولاية النفس على الأنثى تشمل التزويج، والراجح من أقوال العلماء أنه لا يجوز لولي الأنثى أن يزوجها إذا كانت بالغة إلا بإذنها، كما سبق.

وأما الأمر الثاني: وهو الولاية على المال فتعني: الإشراف على شئون القاصر المالية، من حفظ المال، وإنشاء العقود، وسائر التصرفات المتعلِّقَة بالمال، وهي تختص بالصغار من الذكور والإناث، وبمن ليس أهلاً للتصرف بالمال، كمجنون، ومعتوه، فإن بلغت الأخت – أو الأخ – سن التكليف، وكانت رشيدة تحسن التصرف بالمال: فيُدفع مالها إليها؛ لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) النساء/ ٦.

ولا يجوز للأخ أن يأخذ منه شيئاً إلا بطيب نفْسٍ منها.

ويشترط في الولي الذي يكون قيِّما على تلك النفوس، والأموال: البلوغ، والعقل، فلا تصلح الولاية لصغير، ولا لمجنون.

وللتنبيه: فإن ولاية النفس تنتقل من الأب إلى الجد، ثم إلى الأخ، ولكن ولاية المال لا تعلق لها بالخلاف في ترتيب الأولياء:

فهي عند الحنفية: للأب، ثم لوصيه، ثم للجد - أبي الأب -، ثم لوصيه، ثم للقاضي، فوصيه.

وعند المالكية والحنابلة: أنها تثبت للأب، ثم لوصيِّه، ثم للقاضي أو من يقيمه.

وهي عند الشافعية: للأب، ثم للجد، ثم لوصي الباقي منهما، ثم للقاضي أو من يقيمه.

والقول الرابع: أنّ الولاية على المال تثبت للأم بعد الأب والجد، ثمّ تكون للأقرب من العصبات بالنفس، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في " الإنصاف " (٥ / ٣٢٤) – ورجحه الشيخ العثيمين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالمؤلف – أي: الشيخ موسى الحجاوي - يقول: إن الجدَّ ليس وليّاً، والأخ الكبير ليس وليّاً، والعم ليس وليّاً، والأم ليست ولية، فتنتقل الولاية من الأب مباشرة إذا لم يكن وصي إلى الحاكم، وهذا لا شك فيه نظر؛ لأن أولى الناس بهم: جدهم، أو أخوهم الكبير، أو عمهم،

والقول الثاني في المسألة: أن الولاية تكون لأوْلى الناس به، ولو كانت الأم، إذا كانت رشيدة؛ لأن المقصود حماية هذا الطفل الصغير، أو حماية المجنون، أو السفيه، فإذا وجد من يقوم بهذه الحماية من أقاربه: فهو أولى من غيره، وهذا هو الحق - إن شاء الله تعالى -، وعليه: فالجد، أو الأب: يكون وليّاً لأولاد ابنه، والأخ الشقيق وليّاً لأخيه الصغير، والأم إذا عدم العصبة: تكون ولية لابنها، نعم، إذا قدر أن أقاربه ليس فيهم الشفقة، والحب، والعطف: فحينئذٍ نلجأ إلى الحاكم ليولِّي من هو أولى.

" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (٩ / ٣٠٥، ٣٠٦) باختصار.

ثالثاً:

أما بخصوص السؤال عن تزويج أحد من الصحابة رضي الله عنهم لأخته: فقد ثبت ذلك عن معقل بن يسار رضي الله عنه، وكان زوَّج أخته، فطلقها زوجها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم جاء ليخطبها من أخيها معقل فأبى، فأنزل الله فيه قوله (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة/ ٢٣٢.

عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟! لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاه. رواه البخاري (٤٨٣٧) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوِّج نفسها: لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه، وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.

" فتح الباري " (٩ / ١٨٧) .

رابعاً:

وليس للمرأة أن تزوج نفسها، بل لا بدَّ أن يزوجها وليها، وإلا كان عقد زواجها باطلاً، وهو مذهب جمهور العلماء، بل لا يُعرف بين الصحابة في المسألة خلاف، وقد سبق قبل قليل ذكر كلام الحافظ ابن حجر في اشتراط الولي.

وانظر أجوبة الأسئلة: (٢٠٢١٣) و (٧١٩٣) و (٧٩٨٩) .

وفي جواب السؤال رقم: (٢١٢٧) تفصيل مهم عن " الولي " في الزواج، فانظره.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>