للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

حكم زواج المسيار، وأجر صبر الزوجة على كثرة زواج زوجها

[السُّؤَالُ]

ـ[هل زواج المسيار أن تكون الزوجة متنازلة عن حقوقها؟ أنا زوجي متزوج ثالثة، ولا يعدل بيننا، ويقول: زواج المسيار ليس له عدل بينكن، وهل لي أجر على تحمل زوجي بتعدده للزوجات وإلا طلبت الطلاق منه لأنه مفتون بالنساء؟ مع العلم أني زوجته الأولى وأم أولاده وبناته، هل لنا أجر على تحملنا الهم والعذاب الذي نراه؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

لا بدَّ من توفر شروط وأركان حتى يكون النكاح صحيحاً، ومنها:

تعيين الزوجين، ورضاهما، وموافقة ولي المرأة وتوليه العقد، والإشهاد أو الإشهار....

وتجد تفصيل ذلك في جواب السؤال رقم: (٢١٢٧) .

ثانياً:

وزواج " المسيار" يصح إذا توفرت فيه شروط عقد النكاح وأركانه، وصورة هذا الزواج موجودة في القديم، وفيه يَشترط الزوج على المرأة التي يرغب بالتزوج منها أن لا يقسم بينها وبين نسائه بالتساوي، أو لا ينفق عليها، أو لا يسكنها، وقد يشترط أن يكون لها النهار دون الليل، وهو ما يسمى " النهاريات "، وقد تكون المرأة هي المبادرة بإسقاط حقوقها، فقد تكون صاحبة مال ومسكن فتُسقطهما عنه، وقد ترضى بالنهار دون الليل، وقد ترضى بعدد أيام دون أيام ضرائرها، وهذا هو المشهور في زماننا.

وهذا الإسقاط للحقوق من كلا الطرفين لا يجعل النكاح محرَّماً، وإن كرهه بعض أهل العلم لكنه لا يخرج عن الجواز من حيث شروطه وأركانه.

وفي " مصنف ابن أبي شيبة " (٣ / ٣٣٧) :

عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح أنهما كانا لا يريان بأسا بتزويج النهاريات.

وفي (٣ / ٣٣٨) :

عن عامر الشعبي أنه سئل عن الرجل يكون له امرأة فيتزوج المرأة، فيشترط لهذه يوماً ولهذه يومين؟ قال: لا بأس به. انتهى

وفي المرجع السابق ذَكَر أنه كرهه محمد بن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، والزهري.

وقد أفتى كثير من علمائنا المعاصرين بإباحته.

سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:

عن زواج المسيار، وهذا الزواج هو أن يتزوج الرجل ثانية أو ثالثة أو رابعة، وهذه الزوجة يكون عندها ظروف تجبرها على البقاء عند والديها أو أحدهما في بيتها، فيذهب إليها زوجها في أوقات مختلفة تخضع لظروف كل منهما، فما حكم الشريعة في مثل هذا الزواج؟ .

فأجاب - رحمه الله -:

" لا حرج في ذلك إذا استوفى العقد الشروط المعتبرة شرعاً، وهي وجود الولي ورضا الزوجين، وحضور شاهدين عدلين على إجراء العقد، وسلامة الزوجين من الموانع؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) ، فإذا اتفق الزوجان على أن المرأة تبقى عند أهلها، أو على أن القسم يكون لها نهاراً لا ليلاً، أو في أيام معينة، أو ليالي معينة: فلا بأس بذلك، بشرط إعلان النكاح، وعدم إخفائه ".

" فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ٤٥٠، ٤٥١) .

لكن لما أسيء استعماله من قبَل كثيرين توقف بعض أولئك العلماء الذين كانوا يفتون بجوازه، توقفوا عن القول بالجواز، ومن أبرز هؤلاء الشيخان عبد العزيز بن باز والعثيمين رحمهما الله.

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما الفرق بين زواج المسيار والزواج الشرعي، وما الشروط الواجب توافرها لزواج المسيار؟ فأجاب:

" الواجب على كل مسلم أن يتزوج الزواج الشرعي، وأن يحذر ما يخالف ذلك، سواء سمي " زواج مسيار "، أو غير ذلك، ومن شرط الزواج الشرعي الإعلان، فإذا كتمه الزوجان: لم يصح؛ لأنه والحال ما ذكر أشبه بالزنى " انتهى.

" فتاوى الشيخ ابن باز " (٢٠ / ٤٣١، ٤٣٢) .

والحقيقة أن هذا النكاح حل لكثير من مشكلات العنوسة التي تفشت في المجتمعات الإسلامية، فلا يستطيع الرجل أن يلتزم بالقسْم بين نسائه، أو لا يستطيع النفقة على زوجتين، ويوجد من النساء من تملك مالاً ومسكناً وترغب في إعفاف نفسها، فيأتيها الزوج في أيامٍ من الأسبوع، أو في فترة من الشهر، وقد يقدِّر الله بينهما من الألفة والعشرة وحسن الظروف ما يتغير حال زواجه منها إلى الأفضل، فيقسم بالعدل، وينفق عليها بنفسه ويسكنها.

وفيه أيضاً مفاسد لا تخفى، من الاختلاف بعد وفاة الزوج على التركة، ومن إخفائه وعدم إعلانه، ومن التذرع بهذا الزواج من قبَل بعض المفسدين والمفسدات، فتكون علاقتهما محرَّمة، ويسكنان بعيداً عن أعين الأقرباء والجيران، فإذا رآهما أحد قالا: هذا زواج مسيار!

وبعد هذا يتبين لك أختنا السائلة أنه لا يجوز لزوجك أن يقتطع حقك ويظلمك في حقوقك؛ لأنه لم يتزوجك بتلك الشروط، وأنتِ زوجته الأولى، وإن كان هناك نقص في أيام البيات فليكن عند نسائه الأخريات لا عندك، فمن تزوجها منهن زواج مسيار هي التي تسقط حقها في النفقة أو السكن أو المبيت (حسب ما تم الاتفاق عليه) ، ولا يحل له أن يمكث أيامه ولياليه عند نسائه ظالماً لك، وخاصة أنك لم تتنازلي عن حقك.

ثالثاً:

تزوج الرجل بامرأة أخرى قد يكون سببه الزوج، وقد يكون سببه الزوجة، فقد يكون الزوج قوي الشهوة ولا تكفيه واحدة، وقد يكون كثير الأسفار لبلد معيَّن، فيحتاج لزوجة تعفه، وتخدمه.

وقد يكون السبب من المرأة؛ وذلك بتقصيرها في نظافة بيتها، والعناية بأولادها، وتجملها لزوجها وإعفافه، فإن كان الأمر هو الثاني فعليكِ مراجعة نفسك، والبحث عن الخلل الذي كان سبباً لزوجك لأن يتزوج من أخرى، وإن كان الأمر هو الأول: فليس لك إلا الصبر، والصبر له منزلة عظيمة في الشرع، والصابر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى قضاء الله تعالى له من الأجور العظيمة عند الله تعالى بغير حساب، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠.

وأنت لك من الأجر العظيم عند الله تعالى إن اتقيتيه في حياتك الزوجية، وفي القيام بحقوق الزوج، والعناية بالأولاد وتربيتهم، كما لك أجر عند الله إن صبرتِ على زوجك في تزوجه بأخرى غيرك.

وانظري جواب السؤال رقم (٢١٤٢١) ففيه تفصيل هذا الأمر.

نسال الله تعالى أن يرزقك الصبر والرضى ويصلح لك زوجك.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>