للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

[السُّؤَالُ]

ـ[رجل أو امرأة يعملان في الدعوة، ويؤلفان الكتب، هل يجوز له أو لها أن يأخذا ربحاً على الكتب الدينية التي يكتبها - أو تكتبها هي - بعد تغطية كلفة الطباعة، أو أجراً على إلقاء محاضرة، أو تعليم أحدٍ دينَه؟ وهل ينقص من أجره يوم القيامة؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

أخذ الأجرة على كتابة الكتب الإسلامية، أو إلقاء المحاضرات النافعة، أو تعليم الدين: جائز، على القول الصحيح، ويقوى الجواز إذا وجدت الحاجة إلى المال.

ومن أدلة الجواز:

١. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ [أي: قطيع من الغنم] فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟! حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ) رواه البخاري (٥٤٠٥) .

ومعنى (مرُّوا بماء) أي: بقوم نازلين على ماء.

٢. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: (أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ) . رواه البخاري (٤٧٤١) ومسلم (١٤٢٥) .

ومعنى (فاعتل له) حزن وتضجر من أجله، أو: تعلل أنه لم يجده.

قال النووي رحمه الله:

وفي هذا الحديث: دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكلاهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وغيرهم، ومنَعَه جماعة، منهم: الزهري، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) يردان قول مَن منع ذلك، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة.

" شرح مسلم " (٩ / ٢١٤، ٢١٥) .

وقد علَّلَ الحنفية منهم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، بقولهم: لأن تعليم القرآن عبادة، وواجب شرعي، فلا يجوز أخذ الأجر عليه، وأباحوا أخذ الأجرة على الرقية.

قال ابن بطَّال رحمه الله:

وأما قول الطحاوي: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضاً فرض: فغلط؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض، فكيف تعليمه؟! وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد: ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك: فضيلة، ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضاً الصلاة ليس بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة على الرقَى، وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة.

وقوله عليه السلام: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم.

" شرح صحيح البخاري " (٦ / ٤٠٥، ٤٠٦) .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:

يجوز لك أن تأخذ أجراً على تعليم القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلا امرأة بتعليمه إياها ما معه من القرآن، وكان ذلك صداقها، وأخذ الصحابي أجرة على شفاء مريض كافر بسبب رقيته إياه بفاتحة الكتاب، وقال في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) أخرجه البخاري ومسلم، وإنما المحظور: أخذ الأجرة على نفس تلاوة القرآن، وسؤال الناس بقراءته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٩٦) .

ثانياً:

أما نقصان أجر الآخرة بهذه الأجرة المأخوذة في الدنيا فلا يمتنع ذلك، ويكون ثواب من لم يأخذ أجرة أكمل وأعظم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) رواه مسلم (١٩٠٦) .

قال النووي رحمه الله:

"وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث: فَالصَّوَاب الَّذِي لَا يَجُوز غَيْره: أَنَّ الْغُزَاة إِذَا سَلِمُوا أَوْ غَنِمُوا يَكُون أَجْرهمْ أَقَلّ مِنْ أَجْر مَنْ لَمْ يَسْلَم , أَوْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَم , وَأَنَّ الْغَنِيمَة هِيَ فِي مُقَابَلَة جُزْء مِنْ أَجْر غَزْوهمْ , فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرهمْ الْمُتَرَتَّب عَلَى الْغَزْو , وَتَكُون هَذِهِ الْغَنِيمَة مِنْ جُمْلَة الْأَجْر , وَهَذَا مُوَافِق لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة عَنْ الصَّحَابَة كَقَوْلِهِ: (مِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَته فَهُوَ يَهْدُبُهَا) أَيْ: يَجْتَنِيهَا , فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَاب , وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث , وَلَمْ يَأْتِ حَدِيث صَرِيح صَحِيح يُخَالِف هَذَا , فَتَعَيَّنَ حَمْله عَلَى مَا ذَكَرْنَا" انتهى.

ويمكن تقسيم المعلمين والمؤلفين والدعاة الذين يأخذون أجرة على مؤلفاتهم أو محاضراتهم ودروسهم إلى قسميْن:

١. أن يقصد أولئك بتلك الأجور والأموال الاستعانة بها على طاعة الله، ويكون قصدهم الأصلي نشر العلم، ورفع الجهل عن الناس، ورفع راية الإسلام في كل مكان، وأما ما يحصل من نفع دنيوي: فهو تبع لا أصل، فهؤلاء لهم أجر في الآخرة.

٢. أن يقصد أولئك بنشر تلك الأعمال الكتابية، والقيام بالأعمال الدعوية، والتعليم: أن يقصدوا بذلك ما يترتب عليها من نفع دنيوي، ابتداءً، وانتهاءً، فيفعلوا هذه الأشياء من أجل المال، فهؤلاء لا ثواب لهم على تلك الأعمال، لأنهم إنما أرادوا بها الدنيا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وجماع هذا: أن المستحب: أن يأخذ [يعني: المال] ليحج، لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلم، أو ليعلِّم، أو ليجاهد: فحسن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها) ، شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع إذا كانت أجنبية.

وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق: فهذا من أعمال الدنيا، ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده، والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص، ليس هذا موضعها.

" مجموع الفتاوى " (٢٦ / ١٩، ٢٠) .

ويدل لهذا القول أحاديث، منها:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّ يَعْلَى ابْنَ مُنْيَةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ، فَوَجَدْتُ رَجُلًا فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا السُّهْمَانِ وَمَا يَبْلُغُ سَهْمِي فَسَمِّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَسَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَتُهُ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ فَذَكَرْتُ الدَّنَانِيرَ فَجِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرَهُ فَقَالَ: (مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى) رواه أبو داود (٢٥٢٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".

قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد حفظه الله:

أي: لا يُعطى شيئاً من الغنيمة؛ لأنه اتفق معه على هذا المقدار، وكذلك ليس له شيء في الآخرة؛ لأنه ما جاهد من أجل الله، وإنما خرج من أجل الأجرة.

" شرح سنن أبي داود " (١٣ / ٤٣٩) ترقيم الشاملة.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا أَجْرَ لَهُ) فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ، وَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّكَ لَمْ تُفَهِّمْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ: (لَا أَجْرَ لَهُ) فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: (لَهُ لَا أَجْرَ لَهُ) .

رواه أبو داود (٢٥١٦) وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ".

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضاً من الدنيا أنه (لَا أَجْرَ لَهُ) وهي محمولة على أنه لم يكن له غرضٌ في الجهاد إلا الدنيا.

" جامع العلوم والحكم " (١ / ١٧) .

وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد حفظه الله:

لأن الذي يدفعه للجهاد: هو أن يحصل عَرَضاً دنيويّاً، من غنيمة، أو أجرة، ولعل المقصود من ذلك: أن قصده الدنيا وحدها، ولا يريد إعلاء كلمة الله.

" شرح سنن أبي داود " (١٣ / ٤١٧) ترقيم الشاملة.

وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (٩٥٧٨١) و (١٣٤١٥٤) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>