للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

جواب من قال إنه يأخذ بإجماع الفقهاء ولا يسير على مذهب

[السُّؤَالُ]

ـ[ما هو الجواب لشخص لا يسير على مذهب، ويسير على إجماع الفقهاء، وهل عليه أن يتبع مذهبا أو يسير على مذهب فرضه ولي أمره عليه أو يتخذ شيخا وعالما يرتاح له ويقتدي به.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

الناس متفاوتون في المدارك والفهوم والقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها، فمنهم من يجوز في حقه التقليد، بل قد يجب عليه، ومنهم من لا يسعه إلا الأخذ بالدليل.

١- فطالب العلم الذي يمكنه التمييز بين الأقوال، ومعرفة الراجح من المرجوح، يلزمه العمل بالراجح حسبما يظهر له.

٢- وأما غير المؤهل لذلك، ففرضه التقليد، لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣.

ويقلد أفضل من يجده علما وورعا، ولا يلزمه اتباع مذهب بعينه، سواء كان مذهب الدولة أو لم يكن.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " مثاله: عامي سمع شخصا يقرر ويقول: إن في الحلي زكاة، وسمع آخر يقرر ويقول: إن الحلي ليس فيه زكاة، فهنا صار عنده رأيان، فمن يقلد؟

نقول: يُخير، لكن ينبغي أن يقلد من كان أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه " انتهى من "شرح الأصول من علم الأصول" ص ٦٣٧.

فالعامي لا يجتهد في الأدلة، ولكن يجتهد ويتحرى في الأخذ عن الأعلم والأورع.

قال الشاطبي رحمه الله: " فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح، كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح ... ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة " انتهى من الموافقات ٤/١٣١.

وقال الخطيب البغدادي رحمه الله في الفقيه والمتفقه: " فإن قال قائل: فكيف في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟ قيل: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم، وعن حججهم فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان له عقل يقصر عن هذا، وفهمه لا يكمل له، وسعه التقليد لأفضلهما عنده " انتهى.

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم التقيّد بالمذاهب الأربعة واتباع أقوالهم على كل الأحوال والزمان؟

فأجابوا:

أولا: المذاهب الأربعة منسوبة إلى الأئمة الأربعة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد، فمذهب الحنفية منسوب إلى أبي حنيفة وهكذا بقية المذاهب.

ثانيا: هؤلاء الأئمة أخذوا الفقه من الكتاب والسنة وهم مجتهدون في ذلك، والمجتهد إما مصيب فله أجران، أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإما مخطئ فيؤجر على اجتهاده ويعذر في خطئه.

ثالثا: القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة يأخذ منهما كما أخذ من قبله ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد الحق بخلافه، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق، ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه.

رابعا: من لا قدرة له على الاستنباط يجوز له أن يقلد من تطمئن نفسه إلى تقليده، وإذا حصل في نفسه عدم الاطمئنان سأل حتى يحصل عنده اطمئنان.

خامسا: يتبين مما تقدم أنه لا تُتَّبع أقوالهم على كل الأحوال والأزمان؛ لأنهم قد يخطئون، بل يتبع الحق من أقوالهم الذي قام عليه الدليل " انتهى.

فتاوى اللجنة الدائمة (٥/٢٨) .

وجاء فيها أيضا (٥/٤١) : " من كان أهلا لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، ويقوى على ذلك ولو بمعونة الثروة الفقهية التي ورثناها عن السابقين من علماء الإسلام كان له ذلك؛ ليعمل به في نفسه، وليفصل به في الخصومات وليفتي به من يستفتيه. ومن لم يكن أهلا لذلك فعليه أن يسأل الأمناء الموثوق بهم ليتعرف الحكم من كتبهم ويعمل به من غير أن يتقيد في سؤاله أو قراءته بعالم من علماء المذاهب الأربعة، وإنما رجع الناس للأربعة لشهرتهم وضبط كتبهم وانتشارها وتيسرها لهم.

ومن قال بوجوب التقليد على المتعلمين مطلقا فهو مخطئ جامد سيئ الظن بالمتعلمين عموما، وقد ضيق واسعا.

ومن قال بحصر التقليد في المذاهب الأربعة المشهورة فهو مخطئ أيضا قد ضيق واسعا بغير دليل. ولا فرق بالنسبة للأمي بين فقيه من الأئمة الأربعة وغيرهم كالليث بن سعد والأوزاعي ونحوهما من الفقهاء " انتهى.

ودعوى الإنسان أنه يأخذ بما أجمع عليه الفقهاء فقط، يُنظر فيها، فإن كان يأخذ بالإجماع، ويجتهد في مسائل الخلاف، لأهليته وقدرته على الاستنباط، فهذا ممكن، أما إذا لم يكن مؤهلا، ولن يأخذ بمذهب أو يقلد عالما، فهذا يعني أن سيجهل أكثر المسائل؛ لأن مسائل الإجماع قليلة جدا بالنسبة إلى مسائل الخلاف.

والخلاصة أن هناك طريقين لمعرفة الأحكام الشرعية:

الأول: استنباط هذه الأحكام من أدلتها، لمن لديه القدرة على ذلك.

الثاني: سؤال أهل العلم، والأخذ بأقوالهم، للعاجز عن الاستنباط بنفسه، ويقلد حينئذ الأعلم والأورع، ولا يلزمه اتباع مذهب معين أو شخص معين في جميع المسائل.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>