للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

لا تترك دعوة غير المسلم خشيةَ شتمه الدين

[السُّؤَالُ]

ـ[أنا أقوم بالدعوة إلى الإسلام عن طريق غرف الدردشة والبالتوك والماسنجر، أدعو المسلمين وغير المسلمين، سؤالي هو: أحيانا أريد أن أدعو شخصا غير مسلم، فأخاف إذا دعوته أن يسب الدين، فهل أترك دعوته؟ وإذا وجب عليّ ذلك، إذًا علي أن لا أدعو أحدا من غير المسلمين؛ لأنني أخاف من معظمهم، حيث إني لا أعرفهم، بماذا تنصحونني؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يُعلِيَ همَّتَك، ويسدِّدَ خطاك، ويجزيَك خير الجزاء على اهتمامك بالدعوة إلى دين الله وشرعه، فلا أحد أحسن قولا ولا مسلكا ممن يدل الناس على الحق والنور.

يقول تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/٣٣

ولكني أحذرك أخي السائل، فإن باب المحادثات والغرف الخاصة باب فتنة ومنبع شرور، بسبب من يدخل فيها من النساء وأصحاب الأهواء، فيبدأ الداعية بالخوض مع الجميع، والشيطان ينصب له حبائل الشهوات والشبهات، حتى إذا علقت في قلبه فتنة من شبه أهل الباطل، أو تمكن في قلبه التعلق بالشهوات المحرمة، أمكن منه القياد، ولعب به كما يلعب الصبيان بالكرة. قال الله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال:٤٨)

وقد سبق في موقعنا نصيحة من يمارس الدعوة عبر الشبكة، كي لا يوقع الشيطان به من حيث لا يدري، وبيان أن الدعوة العامة، أو تنظيم العمل الدعوي في هذا المجال عن طريق هيئة، أو منظمة جماعية، تقوم على ذلك لا بد وأن تكون أنفع وأسلم من العمل الفردي، فإن الشيطان من الفرد أقرب.

انظر سؤال رقم (٣٢٦٩٣)

ثانيا:

ينبغي أن يتسلح من يتصدى للدعوة إلى الله تعالى بالعلم الشرعي الذي يريد توصيله للناس، وأن يكون عنده الخبرة الكافية التي تمكنه من حسن محاورة الآخرين، ومعرفة ما عندهم من أمراض الشبهات والشهوات، وكيف يتأتى له علاجها؛ وأما أن يكون كل ما عند المرء عاطفة صادقة، ومعلومات متناثرة من هنا وهناك؛ فإن ذلك لا يجدي شيئا، ولا ينفع المدعو في شيء!! وأخشى ما نخشاه على من يتصدى لذلك الأمر قبل أوانه، وقبل أن تكون عنده الأهلية الكافية، أن يكون حاله كحال من أخذته الشفقة بأناس أصيبوا بعدوى قاتلة، فأسرع إلى علاجهم من غير خبرة له بالطب، فلا هو نفع المريض ولا هو حمى نفسه، ومن كلام الناس: (راح يصطاد اصطادوه) !! فاحذر يا عبد الله، وليكن همك الأول أن تنجو بنفسك:

(بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:١٤-١٥) .

ثالثا:

من كانت عنده الأهلية للدعوة إلى الله تعالى، أيا كان المجال الذي ينشغل فيه بهذه الدعوة؛ فإنه لا يجوز له ترك الدعوة بحجة الخوف من رفض المدعو وشتمه لدعوته أو دينه، وإلا لتعطلت الدعوة وترك البيان للناس، وذلك ما لا يرضاه رب العالمين، ولكنه سبحانه أمرنا بالتزام الحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه:

(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥

وحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرفق واللين والتبشير والتيسير، وذلك حرصا على تقبل المدعو للحق الذي يعرض عليه.

قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى أهل الكتاب في اليمن:

(يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا) رواه البخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٣)

فمن التزم بهذا المنهج الشرعي في الدعوة لا يضره ما كان بعد ذلك من المدعو: من شتم أو رفض أو استكبار وإباء.

وقد كان سيد الدعاة، النبي صلى الله عليه وسلم، مستمرا في الدعوة والنصح الحكيم، مع أن كثيرا من المشركين واجهوه بالشتم والضرب والاستهزاء.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

(لَمَّا نَزَلَت هَذِه الآيَةُ (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء/٢١٤ وَرَهطَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ، فَقَالُوا: مَن هَذَا الذِي يَهتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي عَبدِ مَنَاف يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِب، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَو أَخبَرتُكُم أَنَّ خَيلًا تَخرُجُ بِسَفحِ هَذَا الجَبَلِ أَكُنتُم مُصَدِّقِي؟

قَالُوا: مَا جَرَّبنَا عَلَيكَ كَذِبًا.

قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ.

فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ.

فَنَزَلَت هَذِهِ السُّورَةُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) المسد/١

رواه البخاري (١٣٩٤) ومسلم (٢٠٨)

والمحظورُ في ذلك هو بَداءةُ المشركين والكفار بالشتم والتسفيه، خوفا من تَعَدِّيهم ومقابلتهم بالسب والتنقيص، فذلك هو الذي نهى عنه الله تعالى في القرآن.

قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ) الأنعام/١٠٨

فلا تتحرج أخي الكريم من الحق، ولا تترك تبيلغ هذا الدين بالعلم والبصيرة، واحرص على اختيار الكلمة المناسبة، والمدخل الحسن الطيب، وتجنب الشتم والاستهزاء، بل عامة الظلم والعدوان؛ ثم لا يضرك بعد ذلك ما صدر عن المدعو، فوزره عليه، يحمله يوم القيامة، وأنت ترجع بالأجر العظيم إن شاء الله.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>