للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

حكم التخيلات الجنسية

[السُّؤَالُ]

ـ[تزوجنا مند ٣ سنوات ونصف، هو طيب جدّاً، متدين جدّاً، ونعبد الله معا ما استطعنا، والحمد لله، المشكلة بدأت معي من أول الزواج , كان لابد له أثناء الجماع أن يحكي لي قصصا جنسية، وأنا أتخيل؛ لأني لم أكن أستطيع أن أقضي وطري بدونها، وحتى أشبع لابد أن أتخيل، المشكلة عندي للآن، وأحس بتأنيب ضمير بعد كل جماع، تلاحقني التخيلات وأنا معه حتى أنتهي - لا أتخيلني مع شخص آخر أبداً أبداً , فقط أناس لا أعرفهم - أخبرته بهده المشكلة، ولم يغضب , لكن أنا أحس بنوع من الخيانة , ماذا أفعل؟ أفيدوني أرجوكم، وما حكم الشرع؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

التخيلات الجنسية جزء من الخواطر التي تطرأ على ذهن الإنسان بسبب ما يستدعيه العقل الباطن من صورٍ مختزنةٍ أوحتها له البيئة التي يعيش فيها، والمناظر التي يراها، وهي تخيلات تصيب أغلب الناس، وخاصة فئة الشباب، لكنها تختلف من شخص لآخر من حيث النوع والإلحاح والتأثير.

والشريعة الإسلامية شريعة الفطرة، جاءت منسجمةً مع الطبيعة البشرية، وملائمةً للتقلبات النفسية التي جعلها الله سبحانه وتعالى جزءا من التكوين البشري، فلم تتعد حدود الممكن، ولم تكلِّف بما لا يطاق.

يقول الله سبحانه وتعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَاّ وُُسْعَهَا) البقرة/٢٨٦، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعمَلُوا بِهِ) رواه البخاري (٢٥٢٨) ومسلم (١٢٧) .

قال النووي - رحمه الله - في شرح هذا الحديث:

وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه: فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه.

" الأذكار " (ص ٣٤٥) .

والتخيلات العارضة تدخل في دائرة حديث النفس المعفو عنها بنص الحديث السابق، فكل من تصورت في ذهنه خيالات محرمة، طرأت ولم يطلبها، أو حضرت قَسرًا ولم يَستَدْعِهَا: فلا حرج عليه، ولا إثم، وإنما عليه مدافعتها بما يستطيع.

ثانياً:

وأما إذا كان الشخص يتكلف التخيلات المحرمة، ويستدعيها في ذهنه، فقد اختلف كلام الفقهاء في تكييف هذه الحالة، وهل هي داخلة في دائرة العفو أو في دائرة الهم والعزم المؤاخذ به؟

والمسألة يذكرها الفقهاء بالتصوير التالي:

لو أن رجلا وطئ حليلتَه متفكِّرا في محاسن أجنبيَّةٍ، حتى خُيِّلَ إليه أنَّه يطؤُها، فهل يحرم ذلك التفكر والتخيُّل؟ اختلفت في ذلك أقوال الفقهاء:

القول الأول: التحريم، وتأثيم من يستحضر بإرادته صُوَرًا محرَّمَةً ويتخيلها حليلته التي يجامعها.

قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

والْأَقْرَب لقَوَاعِد مَذهَبِنَا عَدمُ الحِلِّ، لأَنَّ تَصَوُّرَ تلك الأَجنبِيَّةِ بَينَ يَدَيْهِ يَطَؤُهَا فيهِ تَصويرُ مُبَاشَرةِ المَعصِيَةِ عَلى هَيئَتِهَا.

" حاشية رد المحتار " (٦ / ٢٧٢) .

وقال الإمام محمد العبدري المعروف بابن الحاج المالكي – رحمه الله -:

ويتعين عليه أن يتحفظ في نفسه بالفعل، وفي غيره بالقول، من هذه الخصلة القبيحة التي عمَّت بها البلوى في الغالب، وهي أن الرجل إذا رأى امرأةً أعجبته وأتى أهله جعل بين عينيه تلك المرأة التي رآها.

وهذا نوع من الزنا؛ لما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن أخذ كُوزا يشرب منه الماء، فصوَّرَ بين عينيه أنه خمر يشربه، أن ذلك الماء يصير عليه حراما.

وما ذُكر لا يختص بالرجل وحده، بل المرأة داخلة فيه، بل هي أشد؛ لأن الغالب عليها في هذا الزمان الخروج أو النظر من الطاق، فإذا رأت من يعجبها تعلق بخاطرها، فإذا كانت عند الاجتماع بزوجها جعلت تلك الصورة التي رأتها بين عينيها، فيكون كل واحد منهما في معنى الزاني، نسأل الله السلامة منه.

ولا يقتصر على اجتناب ذلك ليس إلا، بل ينبه عليه أهله وغيرهم، ويخبرهم بأن ذلك حرام لا يجوز.

" المدخل " (٢ / ١٩٤، ١٩٥) .

وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

ذكر ابن عقيل وجزم به في " الرعاية الكبرى ": أنه لو استحضر عند جماع زوجته صورةَ أجنبيَّةٍ محرَّمَةٍ أنَّه يأثم، ... أما الفكرة الغالبة فلا إثم فيها.

" الآداب الشرعية " (١ / ٩٨) .

ودليل هذا القول: ما يرجحه طائفة من أهل العلم من أن خواطر النفس إذا أصبحت عزيمة وإرادة دخلت في دائرة التكليف، والتخيلات المحرمة التي يجلبها الذهن بإرادته انتقلت من دائرة العفو؛ لأنها أصبحت هَمًّا وعزيمة يحاسب عليها المرء.

قال النووي – رحمه الله -:

وسبب العفو (عن حديث النفس) ما ذكرناه من تعذر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما.

" الأذكار " (٣٤٥) .

القول الثاني: الجواز، وأنه لا حرج على من فعل ذلك: وهو قول جمع من متأخري الشافعية: منهم السبكي والسيوطي.

قالوا: لأن التخيلات ليس فيها هم ولا عزم على معصية، إذ قد يتخيل في ذهنه أنه يباشر تلك المرأة الأجنبية وهو مع ذلك ليس في قلبه عزم على فعله والسعي إليه، بل قد يرده لو عرض عليه.

جاء في " تحفة المحتاج في شرح المنهاج " (٧ / ٢٠٥، ٢٠٦) - وهو من كتب الشافعية -:

" لأنه لم يخطر له عند ذلك التفكر والتخيل فعل زنا ولا مقدمة له، فضلا عن العزم عليه، وإنما الواقع منه تصور قبيح بصورة حسن " انتهى.

وانظر " الفتاوى الفقهية الكبرى " (٤ / ٨٧) .

والذي يبدو أن الراجح القول بكراهة ذلك التخيل إن لم نقل بالتحريم، وذلك للأسباب التالية:

١. أن كثيراً من المتخصصين النفسيين يعدون التخيلات الجنسية اضطرابا نفسيا إذا سيطرت على عقل الإنسان بحيث تفقده كل لذة تأتي من غير طريق تلك التخيلات، وذلك قد يفضي إلى تخيلات جنسية غير سوية.

٢. أن الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع، ومنع كل باب يفضي إلى الشر، وإفضاءُ التخيلات الجنسية إلى الوقوع في المحرمات أمر متوقع، فإن مَن أَكثَرَ مِن تصور شيء وتمنيه لا بد وأن تحفزه نفسه إلى الحصول عليه، والسعي إلى الاستكثار منه، فيبدأ بالتطلع إلى الصور المحرمة، وتعتاد عيناه على مشاهدة المحرمات، سعيا لتحقيق الشبع الذي أصبح مرتبطا بتلك التخيلات.

٣. أن غالب تلك التخيلات إنما تجتمع في الذهن بالأسباب المحرمة، عن طريق فضائيات الرذيلة، ومشاهدات الواقع المتحلل من كل خلق في بلاد الكفار، حيث ينعدم الحياء وتصبح مناظر ممارسة الجنس عادةً يومية يعايشها من يسكن في بلادهم ويخالطهم في أعمالهم.

٤. وأخيراً قد تفضي كثرة تلك التخيلات إلى زهد الزوجين ببعضهما، فلا تعود الزوجة محل نظر الزوج، كما لا يعود الزوج محل إقبال الزوجة، وتبدأ حينئذ رحلة المعاناة والمشاكل الزوجية.

ولذلك كله، فالنصيحة لكل من ابتلي بمثل تلك التخيلات أن يسارع إلى إيقافها والتخلص منها، ويمكنه الاستعانة بالوسائل التالية:

١. الابتعاد التام عن كل ما يثير تلك التخيلات من الأفلام والمشاهد المحرمة التي تعرضها الفضائيات، والابتعاد عن قراءة القصص التي كانت السبب في تولد تلك التخيلات، وقد سبق في موقعنا الحديث عن حرمة قراءة تلك القصص الجنسية، فانظري جواب السؤال رقم (٣٤٤٨٩) .

قال الغزالي في " إحياء علوم الدين " (١ / ١٦٢) :

" وعلاج دفع الخواطر الشاغلة: قطع موادها، أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر " انتهى.

٢. المحافظة على الأذكار الشرعية، وخاصة تلك التي تقال قبل الجماع (الَّلهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيطَانَ مَا رَزَقتَنَا) رواه البخاري (١٤١) ومسلم (١٤٣٤) .

٣. الانشغال باللذة الحاضرة عن اللذة الغائبة، فإن في كل من الزوجين ما يغني الآخر عن التطلع إلى الحرام، فإذا انشغل الزوجان بمحاسن بعضهما واستغرقا في ذلك لم تنصرف الخيالات إلى شيء آخر.

٤. تصوري لو كان خيال زوجك يجول في مثل ما تجولين فيه، هل ستكونين راضية عن ذلك؟ ألن يشعرك ذلك بعدم الرضا؟ فكيف ترضين أنت أن تصيبي زوجك بمثل هذا الشعور، فاحرصي على استغلال هذه الفكرة للتخلص مما تجدين.

٥. استشارة المختصين النفسيين، فلا حرج عليك أن تراجعي الطبيبة النفسية أو الأسرية وتطلبي نصيحتها في حالك، وستجدين عندها ما يساعدك إن شاء الله تعالى.

وأسأل الله لك ولزوجك التوفيق والسعادة.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>