للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

والده يشرب الخمر، فكيف يتصرف معه؟

[السُّؤَالُ]

ـ[ي إليكم أسري، واجتماعي بنفس الوقت، أبي – يا شيخ حفظكم الله - مبتلى بالمسكر (الخمر) منذ زمن , وكلما رأيته بهذه الحالة أنقهر، وأغتم مما أراه، وإذا نصحته وقلت له إن هذا الشيء لا يجوز وحرام: يزعل مني، ويحاول إسكاتي، مما يجعلني أتصادم معه في الكلام، وأحياناً أسبه وكأنه واحد من أعدائي , علما بأن أمي متوفية - رحمها الله - منذ سنتين، وجدتي التي هي أم أبي مريضة في المستشفى بسبب جلطة دماغية عافانا الله وإياكم منها , ومما يزيد الأمر سوءً أن أبي - هداه الله – لا يستطيع المشي إلا على العكاز، ولمسافة قريبة فقط؛ لأنه منذ صغره وهو أعرج، وعمره الآن ٦٠ سنة، وكما قلت لكم أنني نصحته أكثر من مرة ولكن لا فائدة من الكلام، حيث إن أصحابه نصحوه، ولكن لا حياة لمن تنادي , كذلك يعاني من مرض السكر، والضغط , وأنا لا أريد العقوق به، ولكن ما الذي يجب أن أعمله تجاهه؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

شرب الخمر حرام، وهو من كبائر الذنوب، وقد دلَّ على تحريمه الكتاب، والسنَّة، والإجماع، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة/ ٩٠، ٩١.

وللخمر مفاسد على الدين، والبدن، والعقل، والمال، والعرض، ولذا فإن كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم حرّموا شربها على أنفسهم في الجاهلية: ومنهم أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، قالت عائشة رضي الله عنها: " حرَّم أبو بكر الخمرة على نفسه، فلم يشربها في جاهلية، ولا إسلام، وذلك أنه مرَّ برجل سكران يضع يده في العذرة ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرف عنها، فقال أبو بكر: إن هذا لا يدري ما يصنع ".

ومنهم: عثمان بن مظعون، حيث روي عنه قوله: " لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد ".

ومنهم: قيس بن عاصم، حيث روي عنه قوله – في سبب تحريم شرب الخمر على نفسه -: " لأني رأيته متلفة للمال، داعية إلى شرّ المقال، مذهبة بمروءات الرجال ".

ويتعرض شارب الخمر يعرِّض نفسه لمفاسد وعقوبات في نفسه، إن لم يتدارك نفسه بتوبة صادقة: هلك، وانظر بعض هذه المفاسد والعقوبات في جواب السؤال رقم (٣٨١٤٥) .

ثانياً:

أما ما يجب عليه تجاه المنكر الذي يفعله والدك فإنه يتلخص بما يلي:

١. المداومة على نصحه، ووعظه، بتبيين حرمة شربه للخمر، والعقوبات المترتبة على فعله.

٢. التلطف في المعاملة، والإحسان له بالقول والفعل.

٣. عدم إعانته على شراء الخمر، لا من حيث جلبه له، ولا من حيث إعطاؤه من المال ما يشتري به من ذلك المنكر.

٤. عزله عن الأسرة، أو عزل الأسرة عنه في حال سكره؛ لئلا تؤثر مخالطته لهم على سلوكهم وأخلاقهم، خاصة إذا كان في الأسرة من يمكن أن يتأثر به؛ ولكي يأمنوا شرَّ أفعاله إذا سكر.

٥. رفع الأمر لمن يأخذ على يده بالعقوبة، من حاكم، أو قاضٍ، أو جهات مسئولة.

٦. الدعاء له بأن يهديه الله ويخلصه من فعل الحرام.

وهذه بعض الفتاوى في الموضوع، نسأل الله أن تكون نافعة في بيان المقصود.

أ. سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الإسلام في المسلم الذي يشرب الخمر، ولا يقبل النصح، ويعلل ذلك بقوله: " إنه هو الوحيد الذي سيحاسبه الله "، ولا يسمح لأحد أن يتدخل في شئونه، فهل يجوز للمسلمين أن يتعاملوا معه أو لا؟

فأجابوا:

يجب على مَن عرف الحق من المسلمين أن يبلغه قدر طاقته، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حسب استطاعته، فإن قُبلت نصيحته: فالحمد لله، وإلا رفع أمر مَن ارتكب المنكر أو فرَّط في الواجبات إلى ولي الأمر العام، أو الخاص، ليأخذ على يد المسيء حتى يرتدع، ولا ينتشر الشر، ودعوى من يشرب الخمر ويصر على ذلك أنه لا يحاسبه على شربها غير الله: ليست بصحيحة إذا كان يشربها علناً، فإن مَن يراه يشربها مكلف بالإنكار عليه حسب استطاعته، فإن لم يقم بالواجب عليه نحو من يرتكب المنكر: عوقب على تفريطه في واجب البلاغ والإنكار، فليس شرب إنسان الخمر علناً مما يختص جرمه بالشارب، بل يعود ضرره على المجتمع في الدنيا، وخطره يوم القيامة على الشارب، والمفرط في الإنكار عليه، وفي الأخذ على يده، وعلى مَن عرف من المسلمين حال المجرم أن يهجره في المعاملات، ولا يخالطه إلا بقدر ما ينصح له، وما يضطر إليه فيه، وليجتهد ما استطاع في إبلاغ ذلك إلى ولاة الأمور ليقيموا عليه الحد؛ ردعاً له، ولغيره؛ وقطعا لدابر الشر والفساد؛ وتطهيراً للمجتمع من ذلك الوباء.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

" فتاوى اللجن الدائمة " (٢٢ / ٨١، ٨٢) .

ب. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً -:

أنا موظف في إحدى الدوائر الحكومية، وأستلم راتبا وقدره (٢٩٨١) ريالاً، ولي أب يريد أن أعطيه من الراتب الذي أستلمه، وأنا لا أقدر؛ لأنني اشتريت سيارة، وأسدد أقساطها، وكل قسط (٢٠٠٠) ريال، ولي أخت تعطيه شهريا (٨٥٠) ريالاً، ويوجد عنده محل يبيع ويشتري المواد الغذائية، ويريد مني نقوداً، وأنا لا أقدر، مع أنه يشرب الخمر! ويريد أن أعطيه نقوداً، فهل يجوز أن أعطيه نقوداً مع أنه يمكن أن يشتري خمراً بالنقود التي أعطيه إياها؟ وإذا لم أعطه نقوداً يطردني من البيت، ويقول:" إن لم تعطني نقوداً فاخرج من البيت "، وأخواتي لا يعطيهم نقوداً إلا بعد مشقة كبيرة.

أفيدوني في هذا السؤال، أفادكم الله، وأسكنكم فسيح جناته؟ .

فأجابوا:

إذا كان الواقع كما ذُكر من أنه يشرب الخمر، وكان عنده ما يكفيه لحاجته المباحة: فصاحبه في الدنيا بالمعروف، وأحسن إليه بما تيسر لك، مما لا يتمكن من صرفه في محرم؛ مثل أن تعطيه كسوة، أو كيس أرز، أو شيئاً مما يكون أثاثاً للبيت؛ من سجادة، أو أواني، وتبش في وجهه، وتكلمه كلاماً ليِّناً سمحاً، ونحو ذلك من المعروف والإحسان، مع نصيحته بترك شرب الخمر، وسائر المحرمات.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ١٧٣، ١٧٤) .

ج. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

أنا شاب هداني الله للإيمان - والحمد لله - متزوج حديثًا، وأتقاضى راتباً شهريّاً، وقد استأجرت بيتًا، وسكنت فيه مع زوجتي؛ وذلك لصغر بيت أهلي، وأعطي أهلي جزءًا من راتبي، وبعضه لوالدي الذي يشرب الخمر يوميّاً! فهو مدمن عليها! لذلك فإن ضميري يؤنبني بأني بذلك أشجعه على شراء الخمر، علماً أنه يتقاضى راتباً يعطي منه لوالدتي نصفه والباقي يصرفه على شراء الخمر، والسجائر، ولعب القمار – أحياناً -، خصوصاً وأنا بحاجة إلى هذا المبلغ لتكوين نفسي، وكذلك فإن أختي الكبيرة تعطيه من راتبها، فما حكم إعطائنا له تلك المبالغ؟ أفيدونا أفادكم الله.

فأجاب:

يجب على المسلم أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من المعاصي، ولاسيما الكبائر، كشرب الخمر، ولعب القمار، وغير ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، فيجب على هذا الوالد، وعلى كل عاصٍ: أن يتوب إلى الله، ويبادر بالتوبة، وألا يتجارى مع الهوى، والشيطان، فيُهلك نفسه، فيقع في غضب الله، وسخطه، والواجب عليكم أن تناصحوه، وأن تكرروا له النصيحة، وتغلظوا عليه، وإذا كان هناك سلطة إسلامية: فيجب عليكم أن ترفعوا شأنه إليها للأخذ على يده، وإعانته على نفسه.

وأما بالنسبة لما تعمله أنت، وأنك هداك الله للإسلام: فهذه نعمة عظيمة، ونسأل الله لنا ولك الثبات، ثم ما تعمله من توزيع راتبك على حوائجك، وعلى أهلك، وعلى والدك: فهذا شيء تشكر عليه، ونرجو الله أن يتقبل منا ومنك.

وأما بالنسبة لكون والدك يشرب الخمر، ويستعين بما تعطيه على ذلك: فإذا تحققت أن والدك يستعين بما تدفعه إليه على معصية الله: فلا تعطه؛ لأن الله جل وعلا يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/ ٢.

فإذا تحققت من أن والدك يستعين بما تعطيه إياه على معصية الله: فإنك تمنع عنه العطاء؛ لعله يتوب إلى الله، ويرتدع عما هو عليه.

وعلى كل حال: الوالد له حق، لكن إذا كان بالحالة التي ذكرتها، وأنه يستعين بما تدفعه إليه على شرب الخمر، ولعب القمار، وغير ذلك: فإنك لا تعطيه شيئًا يعينه على المعصية.

" المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان " (٤ / ص ٢٦١، السؤال ٢٦٦) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>