للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ترفض مبيت أم زوجها في بيتها ولو ليلة واحدة

[السُّؤَالُ]

ـ[ما هو الحكم الشرعي في امرأة ترفض إقامة أم الزوج في بيت ولدها ولو لليلة واحدة؟ علما بأن: ١- الزوجة تحسن معاملة زوجها وهو يحسن معاملتها. ٢- أم الزوج مريضة بالقلب والابن من باب البر بأمه يريد أن تقيم أمه معه ليلة أو ليلتين.. ولكن الزوجة ترفض ذلك. ٣- قد تأتى أم الزوج مع ابنتها البكر لزيارة ولدها في بيته فيتأخر بهم الوقت ويريد الابن أن يبر أمه ويدعوها للمبيت حتى الصباح، ولكن الزوجة تظهر أنها غير راضية عن هذا الأمر فتحرج الأم وتصمم الأم على العودة لمنزلها مهما كانت الظروف مما يحرج الزوج مع أمه وأخته. ٤- الزوجة تقول إنها ترحب بأهل زوجها في أي وقت ولكن زيارة فقط وتشترط على الزوج بأن لا يبيت أحد في بيتها وتقول إنها لا تأخذ حريتها في بيتها في هذه الليلة. ٥- يقول الزوج إنه لا يريد إقامة دائمة للأم؛ لأنه يعلم أنه ينبغي أن يكون لزوجته مسكن خاص تشعر فيه بالاستقلال، ولكنه قد يضطر لاستضافة أمه ولو ليلة واحدة.. ولكن ذلك ترفضه الزوجة وبشدة وإذا لم يوافق الزوج أحرجته وأحرجت أهله لمنعهم من هذا الأمر. ٦- الزوج لا يلزم الزوجة بأعمال منزلية زائدة بل في حالة عدم إكرام الزوجة لأهله كأن أحضرت لهم الغداء، ولا تريد تحضير العشاء؛ لكي لا يبيتوا عندها، فيقوم الزوج بتحضير الطعام وإطعام أهله دون أن يكلف امرأته ما لا تريد عمله. خلاصة الأمر: - صبر الزوج على زوجته ٤ سنوات وهى مدة الزواج وحاول أن يقنعها بأنه هو صاحب البيت وله الحق في أن يقبل أو يرفض من يبيت عند في بيته دون اعتراض من الزوجة وأن هذا يهدم البيت ويشرد الأبناء - حيث إن لديهم طفلين صغيرين، ولكن الزوجة قالت بأن ذلك شرط على الزوج وإن لم يقبل فالانفصال هو الحل النهائي ومما وجده الزوج من عناد الزوجة على هذا الأمر فهو يرى أيضاً أن الانفصال قد يكون هو الحل، لعل الله أن يبدله زوجة تعينه على بره بأهله. ما هو الرأي الشرعي في هذا الأمر؟ وهل تأثم الزوجة على ما تفعله؟ وهل يأثم الزوج إذا طلقها لإصرارها على هذا الأمر؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

لكل من الزوجين حقوق على الآخر يلزمه الوفاء بها، وقد سبق بيان هذه الحقوق في جواب السؤال رقم (١٠٦٨٠) .

ومن حقوق الزوجة: المسكن الخاص الذي تستقر فيه، ولا ينازعها فيه أحد، فلا تجبر على السكن مع والدي الزوج أو أحدهما، أو مع ضرتها، ويفرض لها المسكن الذي يناسبها ويناسب حال زوجها ومقدرته، كما قال تعالى: (أَسْكنوهنَّ من حيثُ سكنتم مِن وُجْدِكُمْ) الطلاق/٦.

وقد سبق بيان المسكن الذي يلزم للزوجة وما يكفي فيه، وينظر جواب السؤال رقم (٧٦٥٣) .

ثانيا:

من الحقوق الزوجية التي أمر الله بها: حسن العشرة من الجانبين، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) النساء/١٩، وقال سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة / ٢٢٨.

ومن العشرة بالمعروف: إكرام الزوجة أهل زوجها، وإكرام الزوج أهل زوجته، ولا شك أن هذا قد يقتضي استضافة واحد منهم يوما أو أياما، بحسب ما تقتضيه الحاجة، فقد ترغب الزوجة في مبيت أمها أو أحد محارمها في بيتها، وقد ينزل بعض أقاربها ضيوفا عليها أياما، وكذلك العكس بالنسبة للزوج، ولا ينازع في هذا أحد من الناس، ولو فرض أن الزوج رفض شيئا من ذلك عد هذا من الدناءة وعدم المروءة ومخالفة العشرة الحسنة لزوجته.

وكذلك رفض الزوجة لشيء من ذلك أمر قبيح لا يصدر من صاحبة الدين والخلق والمروءة، وفيه شيء من الإساءة الظاهرة للزوج.

وليس هذا الأمر خاصا بأهالي الزوجين، فقد يستضيف الزوج بعض إخوانه وأصحابه يوما أو أياما، فليس للزوجة أن تعارض ذلك؛ ما لم يتكرر ذلك ويسبب ضررا واضحا، وهذا يختلف باختلاف البيوت وسعتها وضيقها.

والمقصود أن استضافة الزوج لمن يبيت في بيته أمر لا غرابة فيها، ولا مانع منه شرعا ولا عرفا، بل هذا من مكارم الأخلاق، ومما تدعو إليه الحاجة غالباً.

وقد روى مسلم (٢٠٨٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ) .

ففي هذا الحديث: أنه لا حرج على الرجل أن يكون قد أعد فراشاً لمن نزل ضيفاً عليه.

والذي يظهر لنا أن الزوجة المسؤول عنها ربما تخاف من تكرار مبيت والدة الزوج أو من إقامتها معها إن سمحت ببياتها ولو مرة واحدة، ولكن إذا كان الزوج يؤكد لها أنه مدرك لحقها في المسكن، وأنه لا يقبل سكن أحد معها، فلا وجه للخوف والقلق.

ولتعلم الزوجة أنها بتصرفها هذا تسيء لزوجها ولأهله، بل تسيء لنفسها؛ إذ ليس لها الحق في منع زوجها من استضافة من يريد، ما دام في البيت متسع لذلك.

وكونها تختار الطلاق على ذلك أمر مستغرب جدا، إلا أن تكون في المسألة ملابسات وأمور أخرى لم يذكرها السائل؛ إذ يبعد أن ترغب امرأة ي الطلاق والانفصال – ولها أولاد – لمجرد مبيت أم الزوج أو أخته مرة أو مرات.

ولهذا نحن نجيب على السؤال الوارد بحسب المعطيات المذكورة كما يلي:

١- ليس للزوجة أن ترفض استضافة زوجها لمن يشاء في بيته، إذا لم يلحقها ضرر معتبر.

٢- تأثم الزوجة بعصيانها لزوجها، وإغضابها له، وإهانتها له أو لأهله، كما تأثم بطلب الطلاق والانفصال إذا كان هذا لمجرد استضافته لوالدته ليلة أو ليالٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه الترمذي (١١٨٧) وأبو داود (٢٢٢٦) وابن ماجه (٢٠٥٥) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

٣- لا حرج على الرجل في طلاق امرأته، إذا حالت بينه وبين برّ أمه، ومنعته من إكرامها الذي يقتضي استضافتها أو دعوتها للمبيت عنده في بعض الليالي؛ لأن ذلك من البر والمعروف ومكارم الأخلاق التي لا يختلف فيها.

ونصيحتنا أن يسلك الزوج مع زوجته ما أرشد الله إليه بقوله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء/٣٤.

فإن لم يُجد ذلك، وساء الحال بينهما فيبعثان حكما من أهله وحكما من أهلها، ينظران في أمرهما، ويقضيان بما يريانه من الجمع أو التفريق، كما قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء/٣٥.

قال ابن كثير رحمه الله: " ذكر تعالى الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ثم ذكر الحال الثاني وهو: إذا كان النفور من الزوجين فقال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) .

قال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، وتفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتَشَوف الشارع إلى التوفيق؛ ولهذا قال: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) " انتهى باختصار.

ونصيحتنا للزوجة أن تتقي الله تعالى، وأن تسعى في إرضاء زوجها وإعانته على بره بأهله، وأن تشكر نعمة الله في وجود الأسرة والزوج والأولاد وألا تسعى في ذهاب هذه النعمة، وأن تعرض مشكلتها وأمرها على أهل العلم والعقل والتجربة ليبينوا لها صوابها من خطئها.

نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>