للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

يخالفون الشرع ويتذرعون بوجود من يفعل ذلك من أهل الاستقامة

[السُّؤَالُ]

ـ[بعض أئمة المساجد وأساتذة التربية الإسلامية وغيرهم مما يعتبرون قدوة لأناس غيرهم يأخذون من لحاهم - والبعض يحلقها كلها -، ويسبلون ثيابهم، فإذا حاججت بعض ضعاف النفوس على حرمة هذه الأمور: يقول لك: فلان إمام مسجد، ومسبل ثوبه، أو فلان مدرس إسلاميات، ويحلق لحيته. نريد منكم كلمة في مثل هؤلاء الأئمة، ومن في دورهم، وخطر ما يفعلونه على أنفسهم، وعلى الناس كلهم.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً: تعلق بعض المخالفين للشرع بفعل بعض أئمة المساجد، أو مدرسي التربية الإسلامية: لا ينفعهم عند ربهم؛ لأن المطلوب من المسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز له أن يقوم هدي أحد على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) الأحزاب/٢١، وقال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) القصص/٦٥. .

فإذا اتضحت سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لمسلم أن يتركها من أجل فعل فلان من الناس أو قوله. قال الإمام الشافعي رحمه الله: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.

ثانياً:

ينبغي لمن صار قدوة للناس أن يكون أكثر اعتناء باتباع السنة، وعدم مخالفتها، لأن الناس يقتدون به، وينظرون إلى فعله على أنه هو الشرع.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:

" ولهذا يجب على أهل العلم ما لا يجب على غيرهم، في العبادات، في الأخلاق، في المعاملات؛ لأن الناس يقتدون بهم، يقتدون بهم تماماً، حتى إن بعض الناس يجلس إلى العالم وهو يصلي - مثلاً - ويحصي عليه حركاته، وسكناته، ولما كبر ابن عمر رضي الله عنهما صار لا يجلس للصلاة مفترشاً، فقال له أحد أبنائه: (يا أبت كيف هذا الجلوس؟ فقال: إن رجليِّ لا تقلاني) ، فانظر إلى نظرة الناس إلى العالم، يحصون عليه حتى فعله، حتى تركه، لذلك يجب على طلبة العلم أن يكونوا مثالاً طيباً حسناً في كل شيء، حتى يكونوا قدوةً صالحة، وحتى يحترمهم الناس " انتهى.

" اللقاء الشهري " (مقدمة اللقاء رقم ٤٩) .

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

" والعالِم يُعرف بصبره، وتقواه لله , وخشيته له سبحانه وتعالى , ومسارعته إلى ما أوجب الله ورسوله , وابتعاده عما حرم الله ورسوله.

هكذا يكون العالم، سواءً كان مدرساً، أو قاضياً، أو داعياً إلى الله , أو في أي عمل , فواجبه أن يكون قدوة في الخير , وأن يكون أسوة في الصالحات , يعمل بعلمه، ويتق الله أين ما كان , ويرشد الناس إلى الخير , حتى يكون قدوة صالحة لطلابه , ولأهل بيته ولجيرانه ولغيرهم ممن عرفه , يتأسون به: بأقواله، وأعماله الموافقة لشرع الله عز وجل.

وعلى طالب العلم أن يحذر غاية الحذر من التساهل فيما أوجب الله , أو الوقوع فيما حرم الله؛ فإنه يُتأسى به في ذلك , فإذا تساهل: تساهل غيره , وهكذا في السنَّة، والمكروهات , ينبغي له أن يحرص على تحري السنن , وإن كانت غير واجبة؛ ليعتادها، وليَتأسى الناس به فيها , وأن يبتعد عن المكروهات، والمشتبهات؛ حتى لا يتأسى به الناس فيها.

فطالب العلم له شأن عظيم , وأهل العلم هم الخلاصة في هذا الوجود , فعليهم من الواجبات والرعاية ما ليس على غيرهم , يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " انتهى.

" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٣١٢، ٣١٣) .

٢. وقال رحمه الله أيضاً -:

" (وَمنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً , ولهذا قال بعده: (وَعَمِلَ صَالِحًا) ، فالداعي إلى الله عز وجل يكون داعية باللسان , وداعية بالعمل , ولا أحسن قولاً من هذا الصنف من الناس , هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم، وأعمالهم، وسيرتهم.

وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام , دعاة إلى الله بالأقوال، والأعمال، والسيرة , وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيما العامة، وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها , فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلُق فاضل حتى يقتدى بأفعاله، وأقواله وسيرته.

... .

فهذه الآية العظيمة فيها الحث، والتحريض على الدعوة إلى الله عز وجل، وبيان منزلة الدعاة، وأنهم أحسن الناس قولاً إذا صدقوا في قولهم، وعملوا الصالحات، وهم أحسن الناس قولاً، ولا أحد أحسن منهم قولاً أبداً، وعلى رأسهم: الرسل عليهم الصلاة والسلام , ثم أتباعهم على بصيرة إلى يوم القيامة " انتهى.

" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ١١٠، ١١١) .

ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يهدي الدعاة وطلبة العلم لما فيه صلاحهم وصلاح الناس.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>