للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

سؤال العامي المفتي المعروف بالتساهل وتتبع الرخص

[السُّؤَالُ]

ـ[هنا في بلدنا يقول المفتي بجواز التعامل مع البنوك، وأنها ليست ربا. ويقول للمرأة المنتقبة أن تتقي الله ولا تنصح أختها التي ترتدي البنطال. فهل على عامة الناس شيء؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أمر الله تعالى الجاهل أن يسأل أهل العلم والذكر، فقال: (فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣، فهذه فريضة الله على الجاهل، أن يسأل أهل العلم فيما سيقدم عليه من عبادة أو معاملة، فإن قصر في ذلك كان عاصيا آثما.

ولاشك أن مفتي البلد ينبغي أن يكون أحق من يسأل ويستفتى، ولكن لا يجوز حصر الفتوى على المفتي الرسمي للدولة فقط، فإن منصب المفتي الرسمي للدولة لم يعرفه المسلمون إلا من نحو مائتي سنة، وعاش المسلمون نحواً من ألف ومائتي سنة، يسألون كل من يثقون بدينه وعلمه، ولم تكن الفتوى محصورة في شخص معين، وبعد استحداث هذا المنصب، يجب على الحاكم أن يختار له أوثق الموجودين في دينه وعلمه، فإن لم يفعل ذلك، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، وضيع الأمانة الموضوعة في عنقه، والتي سيسأل عنها يوم القيامة.

وإذا عرف عن الشخص ـ مفتياً رسمياً أو غيره ـ اتباع الهوى، وتحليل الحرام، والتساهل في الأحكام الشرعية، لم يجز الرجوع إليه، وكان على السائل أن يلجأ إلى من يثق في دينه وتقواه وعلمه.

والفوائد البنكية ربا محرم لا شك فيه، وليس مع من يبيحها مستند صحيح، ولهذا اتفقت كلمة العلماء المعتبرين على تحريمها، وصدر بذلك قرارات عدة من المجامع الفقهية المعتبرة، كمجمع البحوث الإسلامية، ومجمع الفقه الإسلامي، وينظر جواب السؤال رقم (٤٥٦٩١) .

وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٢٦٥٢) موقف المسلم من اختلاف العلماء والمفتين، وأنه إن كان طالب علم لزمه العمل بالدليل والأخذ بالراجح، وإن كان عاميا فعليه الأخذ بقول الأوثق علما ودينا.

والعامي لا يخفى عليه – غالبا- حال المتلاعب بالدين، المتتبع للرخص، الذي يفتي حسب ما ُيملى عليه وُيطلب منه، وبعض أصحاب المناصب الدينية الرسمية قد سقطوا من أعين الناس، ولم تعد لأقوالهم قيمة، بل كثير ما يتخذها الناس وسيلة للاستهزاء والسخرية في مجالسهم، فإن كان الأمر كذلك، فلا عذر له في تقليد من كان هذا حاله. وأما إن فرض أنه يجهل حاله، ووثق في منصبه وعلمه فأخذ بقوله، فهذا معذور قد امتثل ما أُمر به من سؤال أهل العلم.

والحاصل أن العامي مطالب بسؤال أهل العلم، ومطالب بتقوى الله تعالى في هذا السؤال، فلا يسأل من لا يثق في دينه وأمانته، ولا يسأل من يتتبع الرخص، ولا يسأل هو ليتتبع الرخص.

قال ابن عبد البر رحمه الله: " لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا " انتهى نقلا عن "شرح الكوكب المنير" (٤/٥٧٨) .

وهذا مما ابتلي به كثير من الناس اليوم، يسأل من يثق في دينه، فإذا أفتاه بما يخالف هواه، ذهب فسأل غيره، حتى يحصل على مراده، وهذا حرام وفسق لا شك فيه.

وأما لبس المرأة الحجاب، فيجب على المرأة أن تستر جميع بدنها عن الرجال الأجانب عنها، بما لا يصف عورتها، ولا يظهر حجم عظامها، كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم (١١٧٧٤) و (٦٩٩١) .

ومن قال من العلماء إن سترها لوجهها وكفيها غير واجب، فإنه يقول إنه مستحب ومشروع، ومما يحبه الله.

وعلى هذا؛ فقد اتفقت كلمة العلماء على مشروعية ستر المرأة لجميع بدنها، وأن ذلك أفضل وأكمل، فمن خرج عن هذا الإجماع، واتبع غير سبيل المؤمنين، فهو متوعد بقوله تعالى، (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/١١٥.

وخروج المرأة بالبنطال أمام الرجال، منكر ظاهر لا يماري فيه أحد من أهل العلم، بل أكثر العامة يرون هذا منكرا وتبرجا وإن فعلوه. ومن اعتمد في إباحة ذلك وأشباهه من المحرمات على قول شيخ أو مفت، فإنما يخدع نفسه، وعليها يجني، وله نصيب من قوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) الأحزاب/٦٦-٦٨، وقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١، وقد روى الترمذي (٣٠٩٥) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) ، والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي.

نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>