للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

المجتمع المسلم ورعاية المسنين

[السُّؤَالُ]

ـ[كيف يعامل المسنون في دين الإسلام؟ هل لهم مكانة خاصة، وهل يلاقون رعاية تليق بوضعهم الصحي؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

فإن دين الإسلام دين رحمة وعدل.. دين يتمم مكارم الأخلاق وينهى عن سفاسفها.. دين يعطي للإنسان كرامته – إذا التزم بشرع الله -.

ومما لا شك فيه أن الدين الإسلامي قد أعطى للمسنين مكانة خاصة، وقد جاءت في حقهم نصوص شرعية تحث على احترامهم وإكرامهم.

وقد قامت رعاية المسنين في الإسلام على عدة مرتكزات منها ما يلي:

١- الإنسان مخلوق مكرم، ومكانته محترمة في الإسلام..

قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) الإسراء/٧٠.

فالمسن له منزلته ومكانته في الإسلام بشكل عام أخذاً من عموم الآية.

٢- المجتمع المسلم مجتمع متراحم متماسك..

قال الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) محمد/٢٩.

وقال تعالى واصفاً المؤمنين: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ، أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) البلد/١٧-١٨.

ويصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنين بأنهم كالجسد الواحد، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه مسلم (٢٥٨٦) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري (١٣) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) رواه الترمذي (١٩٢٤) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١٥٦٩) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لأَهْلِ الإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ) رواه أحمد (٣٢٣٧٠) وأورده الألباني في الصحيحة (١١٣٧) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خاب عبد وخسر لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر) . قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٥٦) : إسناده حسن اهـ.

٣- المجتمع المسلم مجتمع متعاون متكاتف..

روى ابن أبي الدنيا عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبُّ إليّ من أن اعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة - شهرا. . . ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزول الأقدام) حسنه الألباني في الترغيب والترهيب (٢٦٢٣)

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم (٢٦٩٩) .

٤- المسن له مكانته عند الله إذا استقام على شرع الله

قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا) رواه مسلم (٢٦٨٢) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ألا أنبئكم بخياركم؟ خياركم أطولكم أعمارا إذا سددوا) قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٩٨) : حسن لغيره اهـ.

(سددوا) أي استقاموا وعملوا بالصالحات

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خياركم أطولكم أعمارا، وأحسنكم أعمالا) صححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٦٣) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الإِسْلامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ) رواه أحمد (١٤٠٤) وقال الألباني في السلسة الصحيحة (٦٥٤) : إسناده حسن اهـ.

وروى الترمذي (٢٣٢٩) أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١٨٩٩) .

٥- توقير الكبير وإكرامه من سمات لمجتمع المسلم

قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ. . .) رواه أبو داود (٤٨٤٣) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٤٠٥٣) .

وجَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا. رواه الترمذي (١٩١٩) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٥٦٥) .

٦- أوجه رعاية الإسلام للمسنين..

١- الأمر ببر الوالدين..

وهذا مظهر من مظاهر رعاية المسنين في الإسلام إذ الغالب أن الوالدين يكونان من كبار السن.

وقد اقترن الأمر ببر الوالدين بالأمر بتوحيد الله والنهي عن الشرك به في آيات كثيرة منها:

قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء /٣٦.

وقال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء /٢٣.

وعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. رواه البخاري (٥٢٧) .

٢- الأمر برعاية صديق الوالدين ولو بعد موتهما واعتبار ذلك من بر الوالدين.

قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من البر أن تصل صديق أبيك) . قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣٠٣) : صحيح بمجموع طرقه اهـ

روى مسلم (٢٥٥٢) . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ فَقُلْنَا لَهُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُمْ الأَعْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) .

وبلغ الأمر ببعض السلف أنه كان يسافر ليصل صديق أبيه. روى أحمد (٢٦٩٩٨) عن يُوسُف بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَقَالَ لِي يَا ابْنَ أَخِي مَا أَعْمَدَكَ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ أَوْ مَا جَاءَ بِكَ قَالَ قُلْتُ لا إِلا صِلَةُ مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ وَالِدِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.

فهذه إحدى صور رعاية المسنين في الإسلام، فحين يزور أفراد المجتمع أصدقاء آبائهم فإنهم يساعدون على دمج المسن في المجتمع والقضاء على العزلة التي يشعر بها، وبالتالي التخفيف من التغيرات الاجتماعية والنفسية التي يمر بها المسن.

بخلاف ما يحدث في المجتمعات غير الإسلامية. فتطالعنا الأخبار بين حين وآخر عما يحدث لبعض المسنين هناك، ومدى العزلة التي يعيشون فيها.

فهذا مسن يبقى متوفياً داخل شقته أربع سنوات ولم تكتشف جثته إلا صدفة. صحيفة الجزيرة عدد (٧٧٥١) . تاريخ /٧/١٤١٤ هـ.

وفي تقرير من وزارة الأسرة والشبيبة والكهولة في ألمانيا عام ١٩٩٣ م جاء فيه أن هناك ٤٤٠ ألف مسن تعرضوا للإيذاء الجسدي والمعاملة السيئة من أقاربهم وأفراد أسرهم مرة واحدة على الأقل في العام.

وهذه عجوز عاجزة عن الحركة تموت جوعاً في شقتها بسبب ابنها الذي قطع عنها الماء والكهرباء والغاز، حتى اكتشف الجيران أمرها.. ولكن بعد فوات الأوان.

ومات رجل مسن في لندن في شقته وله خمسة أولاد ولم يعلم أحد بموته إلا بعد ستة أشهر.

وهذه امرأة عجوز في ألمانيا لمنزلها حديقة لا تُصدق، لروعة جمالها، وإنها تُعدها ليوم واحد في العام، حينما يأتي أولادها إليها، من شدة محبتها لهم وهم معرضون عنها، زينت لهم هذه الحديقة ذات يوم وصنعت لهم طعاماً نفيساً، ثم فوجئت أنهم اعتذروا عن المجيء، فبكت بكاء، كادت تموت من البكاء.

وفي حي من الأحياء الراقية في طوكيو عُثر على مسن في شقته قد مَرَّ على موته سنة ونصف.

وهذه مسنة عُثر عليها وقد ماتت جوعاً في شقتها.

وأغرب من ذلك هذا المسن الذي تجاوز التسعين عاماً ولم يدر أحد بموته إلا بعد خمسة أيام. ووجه الغرابة أنه مات في دار خاصة بالمسنين في مدينة سابور بجزيرة هوكايدو ولم يشعر أحد من العاملين في الدار بوفاته حتى جاء بعض أقاربه لزيارته فاكتشفوا الأمر.

فالحمد لله على نعمة الإسلام.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>