للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

خسرت حُسن عشرة زوجها بسبب علاقتها بغيره

[السُّؤَالُ]

ـ[باختصار أنا لي علاقة مع شاب تعرفت عليه عن طريق المنتدى ثم الماسنجر ثم الجوال، وقد كشف زوجي الأمر وغضب عليَّ، وقال لي: لولا الأبناء لأصبحت مطلقة، ولكن أصبر وأتزوج بأخرى، أنا أدركت ذنبي وتبت، وبدأت حياتي من جديد، وأصبحت أُكثر الاستغفار والحمد والشكر على النعمة، لكن زوجي كل يوم يسمعني كلاما يهز الجبال، كرهته ولكن صبرت، وحاولت أن أحبه، وألبي جميع طلباته التي كنت في السابق لا ألبيها، تعبت من كثر الطلبات، ولم أقل شيئا، بل برحب وسعة، لكن لا أجد إلا السب والشتم وتذكيري بالعلاقة السابقة، وبعد عدة أشهر رجع الشاب واتصل عليَّ، واستمر بذلك وبإرسال الرسائل، ولكن خشيت من زوجي؛ لأنه إذا رن جوالي برقم غريب يطلب مني أرد، وأرفض، قال لي: ردي لعله ذلك الشاب، وإذا رديت أصبح الشخص غلط، قال لي أكيد بينكم رموز، ماذا أفعل؟ أصبحت أخاف من الجوال، وأخفيه عن زوجي دائما خوفا أن يرن رقم غريب، ويشك بي. ماذا أعمل مع ذلك الشاب، مللت الحياة، تمنيت الموت كل الذي أستطيع عمله قراءة القرآن.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

لا يزال الطمع في قلب ابن آدم حتى يهلكه، وما حرم القناعة إنسان إلا تاه في أودية الهم والاضطراب، يتلفت يمنة ويسرة لعله يجد ما يملأ به نفسه التي تمنى وتشتهي، ولا يملأ قلب ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

وأسوأ الطمع ما تُقتَحَمُ به الحرمات، وتضيع فيه الأعراض: كالطمع في زوجات المسلمين وأعراضهم، أو طمع النساء في شباب المسلمين، وعدم القناعة بالزوج الذي مَنَّ الله به عليها، وقد علم المسلمون جميعا أن اللذات لا تنال بمعصية الله تعالى، وأن السعادة إنما تتوافر في طريق الطاعة وحفظ حدود الله عز وجل.

أختي السائلة:

لقد كانت المعصية سببا في هلاك أمم سابقة، فهل تظنين أنها ستكون سببا في سعادة إنسان؟! كما كانت المعصية أيضا طريقا إلى النقم، فهل تريدينها أن تكون مجلبة للنعم؟!

والله عز وجل يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/ ٣٠.

قد يكون من السهل الوقوع في الخطأ؛ فالنفس تندفع برغبات اللذة والشهوة نحو المعصية، لكن من الصعب تحمل التبعات، والتعامل مع آثار تلك الأخطاء.

قال ابن القيم رحمه الله:

" الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة؛ فإنها إما أن توجب ألما وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسى علما ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدوا وتحزن وليا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول، فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق " انتهى.

" الفوائد " (ص ١٣٩) .

وأنت اليوم في المشكلة التي تعرضين إنما تواجهين نتائج أخطاء تراكمت، ومعاص تساهلت بها، ثم لم تحسني التوبة منها:

- أما محادثتك مع ذلك الشاب فمن أقبح ما يمكن أن يصدر من امرأة أنعم الله عليها بالزوج والمنزل والولد، وكفاها بؤس الحياة الذي يواجهه كثير ممن حرموا البيوت السعيدة والحياة الهانئة.

وقد كفانا زوجك مؤونة اللوم والعتاب، فهو يسمعك كل يوم كلاما " يهز الجبال " - على حد وصفك -، والمقصود هو أن تدركي من قرارة قلبك عظيم الخطأ الذي ارتكبت.

- وأما ما ذكرت بشأن عدم تلبيتك رغبات الزوج وحاجاته في السابق، فهي معصية أخرى كان لها أثر كبير في تحويل حال أسرتك إلى هذا العناء.

ألم تعلمي أن طاعة الزوج واجبة، وأن خدمته وتلبية طلباته من أفضل ما تقدمه الزوجة عند الله وعند الناس، وقد جاء عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بِابْنَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ ابْنَتِى قَدْ أَبَتْ أَنْ تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: أَطِيعِى أَبَاكِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى تُخْبِرَنِى مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ، قَالَ: حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ قُرْحَةٌ فَلَحِسَتْهَا مَا أَدَّتْ حَقَّهُ)

رواه النسائي في " السنن الكبرى " (٣ / ٢٨٣) ، وقال المنذري في " الترغيب والترهيب " (٣ / ٩٨) : إسناده جيد، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٣١٤٨) .

ونحن نصارحك القول: بأن العلاج يبدأ من هذه الفكرة:

يبدأ من حيث طاعة الله ورضاه سبحانه؛ لأن المصيبة بدأت من معصيته ومخالفته، وقد وعد الله عز وجل التائب بتبديل السيئات إلى حسنات، ووعده فضلا منه وأجرا.

التوبة تبدأ من الحزم والعزم بترك ما فرط من معصية، وقطع كل صلة محرمة، وفي قصتك تبدأ من إلغاء الهاتف الجوال بالكلية، وعدم العودة إليه حتى تطيب نفس الزوج بشراء رقم جديد لك، إذا فعلت هذا فقد أثبت لزوجك ولنفسك صدق توبتك والرغبة الجادة في الإصلاح.

وكيف تريدين من زوجك أن يتجاوز ما مضى وأنت لم تتجاوزيه وعدت إليه؟!

لقد حفظ لك زوجك حقا عظيما وطوقك بمنة كبيرة حين أعطاك فرصة جديدة للعيش معه، ولعل سبب ذلك الحقيقي رغبته فيك ومحبته لك، وإلا فقد كان التسلسل المنطقي للأحداث أن تتجه نحو الفضيحة والفراق والطلاق، لكن الله مَنَّ ولطف وأنعم عليك بالستر والبيت والأسرة، فالواجب أن تبادلي زوجك بالإحسان إحسانا، وتحفظي حدود الله فيه، فتقطعي فعليا كل وهم وسبيل إلى عودة اتصال ذلك المعتدي بك، ولكن الذي حصل منك هو تكرار للخطأ، وإصرار على المعصية، وتساهل في تحقيق التوبة.

فهل تنتظرين بعد ذلك توفيقا وإصلاحا؟

كيف تسمحين لنفسك تكرار سماع صوت ذلك الشاب، واستقبال الرسائل منه مرة أخرى، وكيف عدت إلى تحميل زوجك همَّ الوسواس الذي يصيب كل إنسان حين يرى ريبة من زوجته، كيف تريدينه أن يثق بك من جديد وأنت لم تمنحيه الثقة الكافية، ونحن نؤكد لك أن استمرارك على هذه الحال سيؤدي إلى خسران أعظم مما أنت فيه، تأملي حالك لو أن زوجك أخبر أهلك بما تفعلينه، لا شك أن ما ستكونين فيه من هموم وغموم أعظم مما أنت فيه الآن.

نحن ندعوك – أختنا السائلة – إلى ضرورة الاستدراك والإصلاح، وقد قطعت شوطا جيدا، ليبقى لك الكثير أيضا، فنوصيك بتقوى الله عز وجل، والحرص على البيت والزوج والأبناء، ولا تلتفتي إلا إلى رضوان الله تعالى، ليكن هذا همك وسعيك، واثبتي ولا تيأسي من المحاولة، واستمري على حسن العشرة والطاعة بالمعروف، ولا يُقعدك ما تجدينه من نفور الزوج وسوء معاملته، فإِنْ صَدَقْتِ اللهَ في التزامك بشرعه صدقك هو سبحانه فأصلح لك زوجك ولو بعد حين، وأعاد حاله إلى السعادة المرجوة، ودرء عنك كل فتنة وتعاسة، وماذا يبتغي الإنسان من دنياه سوى حياة هادئة صفوها العافية، وسرها العبودية، فإذا أكرم الله العبد بشيء من ذلك فليحافظ على النعمة بشكرها وتقوى الله فيها، والقناعة كنز لا يفنى.

نسأل الله تعالى لك الهداية والتوفيق والسعادة.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>