للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ما هي حدود تدخل الوالدين في زواج ابنهم؟ وهل يأثم إن خالف رغبتهما؟

[السُّؤَالُ]

ـ[تعرفت على فتاة أسلمت حديثاً (كانت نصرانية) ، واتفقنا على الزواج، لكن أسرتي تمانع ذلك بشدة.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

نرجو أن تنتبه لما فعلتَه من مخالفات شرعية من التعرف على تلك الفتاة الأجنبية عنك، ومخاطبتك لها، ومصاحبتها، وغير ذلك من التقصير الذي تعترف به، واعلم أن هذه المعاصي تقتضي منك: الإقلاع عنها، والندم عليها، والعزم على عدم العود لها، مع الإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة.

وبخصوص علاقتك بتلك الفتاة: فلا يحل لك محادثتها، أو رؤيتها، فضلاً عن مصاحبتها والخلوة بها، ومن الجيد لك ولها أنكما فكرتما في الزواج، فهو الوسيلة الوحيدة لجمعك بها جمعاً شرعيّاً، فابذل وسعك فيه، فإن لم يتيسر لك: فلا تُبقِ لتلك العلاقة أثراً، ولعلَّ الله تعالى أن يعوضك خيراً منها، ويعوضها خيراً منك.

وقد سبق ذكرنا لمسألة تحريم المراسلة بين الجنسين في جوابي السؤالين: (٢٦٨٩٠) و (١٠٢٢١) فلينظرا.

وفي التعلق المحرم وآثاره والزواج من المتعلَّق به: يُراجع جواب السؤال رقم (٤٧٤٠٥) .

ثانياً:

بالنسبة لاعتراض أسرتك على التزوج بها: فاعلم أن علاقة الوالدين بزواج ابنهم لها صور متعددة، ومنها:

١. عدم موافقتهم على أي فتاة يختارها لنفسه زوجة.

٢. عدم موافقتهم على فتاة يختارها، لكن عدم موافقتهم تكون لأسباب شرعية، كأن تكون سيئة السمعة، أو تكون على غير دين الإسلام – وإن كان نكاح الكتابية جائز في أصله -.

٣. عدم موافقتهم على فتاة يختارها لا لأسباب شرعية، بل لأسباب شخصية، أو دنيوية، كنقص جمالها، أو حسبها ونسبها، وقلبه غير متعلق بها، ولا يخشى على نفسه لو ترك التزوج بها.

٤. الصورة السابقة نفسها، لكنَّ قلبه متعلق بها، ويخشى على نفسه الفتنة لو أنه ترك التزوج بها.

٥. إجباره على فتاة يختارونها له، ولو كانت ذات دين وجمال.

والذي يظهر لنا من حكم تلك الصور السابقة: أنه يجب على الابن طاعة والديه في الصورتين الثانية والثالثة، ويتأكد الوجوب في الصورة الثانية، ففي الصورة الثانية الأمر فيها واضح، وطاعتهما ملزمة؛ لأنه سيقدم على أمرٍ فيه شر لابنهم وقد ينتشر ليصيبهم، وفي الصورة الثالثة: الأمر فيها مباح له، وطاعتهما واجبة، فيقدم الواجب على المباح.

وأما الصورة الأولى والرابعة والخامسة: فلا يظهر أنه يجب عليه طاعتهما؛ فاختيار الزوجة من حق الابن، وليس من حق والديه، ويمكنهم التدخل في بعض الحالات، لا فيها كلها، فمنعُه من التزوج بأي فتاة يختارها بغض النظر عن كونها متدينة أم لا: تحكم لا وجه له، ولا يلزمه طاعتهما.

وكذا لو تعلق قلبه بامرأة، وخشي على نفسه الفتنة لو أنه لم يتزوج بها: فهنا لا تلزمه طاعتهما إذا أمراه بتركها، وعدم التزوج بها؛ لما يؤدي ذلك إلى شر وفتنة جاءت الشريعة لدرئهما عنه.

ويتأكد عدم طاعتهما في الصورة الخامسة، وهي أن يلزماه بفتاة هم يختارونها، وهذا ليس مما يلزمه طاعتهما فيه، وهو بمنزلة الطعام والشراب، فهو يختار ما يشتهي ليأكله ويشربه، وليس لهما التحكم في ذلك.

قال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله:

ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله (أي: ابن تيمية) : إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول، تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه.

" الآداب الشرعية " (١ / ٤٤٧) .

وعليه نقول:

إذا كانت تلك الفتاة قد أسلمت وحسن إسلامها، وكان قلبك معلَّقاً بها، وكنت تخشى على نفسك الفتنة لو أنك تركتها: فنرى أن تتزوجها، ولو لم توافق أمك، وأولى من هذا أنك تخشى على دينها أن تُفتن فيه، بسبب عدم وجود من يرعى شأنها وأمرها.

ونوصيك بمحاولة بذل الجهد لإقناع والديك؛ لتجمع بين الخيرين: طاعتهما، والتزوج بمن تعلق قلبك بها، ولك أن تتزوج دون علم والدتك، مع الحرص على هدايتها، وإرشادها، والدعاء لها ولوالدك.

واعلم أنه حيث جاز لك التزوج بمن ترغب، ولم تُلزم بطاعة والديك: فلا تخشَ دعاءهما عليك، وغضبهما منك؛ لأنه دعاء بإثم، ولا يقبله الله منهما، إن شاء الله، إلا أن تكون ظالماً لهما معتدياً عليهما، وحيث جاز لك التزوج دون الالتزام بما يرغبانه فلست آثماً ولا ظالماً.

وانظر – للأهمية -: جوابي السؤالين: (٨٢٧٢٤) و (٨٤٠٥٢) .

وانظر جوابي السؤالين: (٢١٨٣١) و (٥٥١٢) .

وفي تلك الأجوبة بيان لكثير من الصور التي ذكرناها.

وانظر جواب السؤال رقم (٥٠٥٣) فيه بيان حقوق أمك عليك، وحقوقك على أمك.

ثالثاً:

اعلم أنه لا يجوز لك التزوج بتلك الفتاة من غير ولي لها، فإن كان ثمة ولي لها من أهلها من المسلمين: فيجب موافقته على الزواج - ولا ولاية لكافرٍ عليها إن هي أسلمت -، فإن لم يوجد أحد من المسلمين من أوليائها: تولى أمرها أحد المسلمين، كقاضٍ شرعي، أو مفتٍ للمسلمين، أو إمام مركز إسلامي، وبكل حال: لا يحل لها التزوج من غير ولي.

وانظر - للأهمية -: جواب السؤال رقم (٧٩٨٩) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>