للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

التأدب في وصف النبي صلى الله عليه وسلم

[السُّؤَالُ]

ـ[هل يقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه " بدوي "؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق، وسيد البشر، وأحب خلق الله إلى الله، له المقام المحمود، والحوض المورود، اصطفاه الله من بين ولد آدم كلهم، واختاره من خير العرب أعراقا وأنسابا وأحسابا، مولدُه في أعظم حاضرةٍ من حواضر العرب يومها، في مكة المكرمة، خير بقاع الأرض، وأحب أرض الله إلى الله، سماها القرآن الكريم " أم القرى " لعظيم مكانتها في جزيرة العرب، بل في الأرض كلها، "

قال الله عز وجل: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام/٩٢

وقد أورثت هذه المكانة الجليلة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه من الإكبار والإجلال والتقدير ما يبلغ الغاية والكمال، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرجع عن موقف الإمامة في الصلاة ليتقدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويقول: (مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) البخاري (٦٨٤) ومسلم (٤٢١) .

ويرفض أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن يعلو سقيفة تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم (٢٠٥٣) .

وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: (وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ) رواه مسلم (١٢١) .

ولمَّا قام البراء بن عازب يَعُدُّ كما عد النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في الأضاحي قال: (وَأَصَابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَأَنَامِلِي أَقْصَرُ مِنْ أَنَامِلِهِ صلى الله عليه وسلم) رواه أبو داود (٢٨٠٢) وصححه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص/١٢١) والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".

إلى غير ذلك من صُورِ الأدب العظيمة التي ضربها الصحابة رضوان الله عليهم للبشرية كلها في تكريمِ وإجلالِ أفضلِ الرسل وسيد البشر صلوات الله وسلامه عليه.

أما وَصفُهُ صلى الله عليه وسلم بما لا يليق به، أو لَمْزُهُ بسيء الألفاظ والمعاني، أو حكايةُ ما فيه تنقيصٌ لقدره فهو من الكذب الفج القبيح، والكفر الصريح، لِما فيه من تزويرٍ للحقائق وتَعَدٍّ على خير الخلائق، ولا يقع في ذلك إلا مَن لا يَعرف الأدبَ ولا الخلقَ ولا الإيمان.

قال الله عز وجل: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٥-٦٦.

قال القاضي عياض رحمه الله في "الشفا" (٢/٢١٤) :

" اعلم - وفقنا الله وإياك - أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبَّهَه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له، فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب، يُقتل ... وكذلك مَن نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عَبَثَ في جهته العزيزة بسخفٍ من الكلام، وهُجر ومنكر من القول وزور، أو عَيَّره بشيءٍ مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصَهُ ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.

وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هَلُمَّ جرًّا " انتهى.

ولا شك أن إطلاق لفظ " البداوة " أو وصفه صلى الله عليه وسلم بـ " البدوي " هو من التنقص الصريح والعيب الواضح، فإن البداوة وصفُ ذمٍّ وتنقيص، يُقصَد به الوسمُ بالجهل والرعونة والجفاء، وهو صلى الله عليه وسلم مُعَلَّمٌ من رب الأرض والسماء، جاء وصفه في التوراة بأنه (ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق) ، كما وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/٤، فكيف يجرؤ كذاب أن يصفه صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك؟! لا جرم أن في هذا مِن الجرأة والوقاحة ما يستحق عليها متعمدها العذاب والنكال في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة/٦١.

قال النووي في "شرح مسلم" (١/١٦٩) :

" أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء فى الحديث: (من بدا جفا) والبادية والبدو بمعنًى: وهو ما عدا الحاضرة والعمران. والنسبة اليها بدوي " انتهى.

وقد أفتى العلماء بكفر كلِّ وَصفٍ فيه إشعارٌ بتنقُّصِ قدرِ الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن صريحا في ذلك، حتى روى ابن وهب عن الإمام مالك رحمه الله:

" مَن قال: إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم وَسِخ - وأراد به عَيْبه - قُتل.

وقال أحمد بن أبى سليمان (من علماء المالكية، توفي عام ٢٩١هـ) : من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسود، يُقتل.

وأفتى فقهاء الأندلس بقتل " ابن حاتم " المُتَفَقِّه الطُّلَيطلي وصلبه، بما شُهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وتسميته إياه أثناء مناظرته بـ " اليتيم " و " ختن حيدرة "، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أَكَلَهَا. إلى أشباهٍ لهذا " انتهى.

نقل جميع ما سبق القاضي عياض في "الشفا" (٢/٢١٧-٢١٩) ، ثم قال:

" وكذلك أقول حكم من غَمَصَه، أو عَيَّره برعاية الغنم، أو السهو، أو النسيان، أو السحر، أو ما أصابه من جُرحٍ أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوه، أو شدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحُكمُ هذا كلِّه - لِمن قصد به نقصَه - القتل " انتهى.

ونسبته صلى الله عليه وسلم إلى " البداوة " من الكذب الصريح، لأنه عاش في مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة، وهما أفضل مدينتين في الأرض كلها، فكيف يكون بدوياً؟!

ولم يعرف صلى الله عليه وسلم البادية إلا في صغره حين استرضع في بادية بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية. انظر "السيرة النبوية الصحيحة" د. أكرم العمري (١/١٠٣) .

يقول الدكتور جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (٤/٢٧١) :

" المجتمع العربي: بدو وحضر. أهل وبر وأهل مدر، فأما أهل المدر، فهم الحواضر وسكان القرى، وكانوا يعيشون من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر، فهم قطان الصحارى، يعيشون من ألبان الإبل ولحومها، منتجعين منابت الكلأ، مرتادين لمواقع القطَر، فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي، ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه، فلا يزالون في حلّ وترحال.

ويعرف الحضر، وهم العرب المستقرون بـ " أهل المدر "، عرفوا بذلك لأن أبنية الحضر إنما هي بالمدر. والمدر: قطع الطين اليابس.

وورد أن أهل البادية إنما قيل لهم " أهل الوبر "، لأن لهم أخبية الوبر. تمييزاً لهم عن أهل الحضر الذين لهم مبان من المدر.

وتطلق لفظة " عرب " على أهل المدر خاصة، أي على الحضر و " الحاضر " و " الحاضرة " من العرب، أما أهل البادية فعرفوا بـ " أعراب ". " انتهى.

وسئل الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله:

لماذا ذكر الله أنه ما أرسل رسولاً إلا من أهل القرى؟

فأجاب:

" أما كون الأنبياء جميعاً من سكان القرى كما أخبر الله بذلك في كتابه، فإن ذلك مقتض منهم لحصول الرفعة، وأهل البوادي دائماً أشد عنجهية وأسوأ أخلاقاً، وأقل نظافةً ممن سواهم؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) التوبة/٩٧، وليس التحضر نسباً، حتى يقال: فلان بدوي، معناه: أن أباه كان كذلك، بل المقصود هو في نفسه، فلو سكن شخص من أهل البادية في الحاضرة، فإنه ليس من الأعراب، ولا يدخل في ذلك؛ بل المقصود به من يتصف بهذه الصفة بنفسه لا بنسبه.

الرسل عليهم الصلاة والسلام يراد بهم أن يسوسوا البشرية وأن يقودوها، فلا بد أن يعرفوا طرق تدبير المعاش، وهذه لا يعرفها أهل البوادي، ولا يعتنون بها، فأهل البوادي إنما يعيشون من الصيد – مثلاً - أو اتباع البهائم، ويعيشون مع الأحلام والأوهام كثيراً، وقد أخرج أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من طلب الصيد غفل، ومن بدا جفا) ومعناه: من سكن البادية غلظ طبعه، (ومن طلب الصيد غفل) أي: نقص عقله بقدر ذلك؛ فلهذا اختير الرسل من أهل القرى " انتهى. "سلسلة دروس منشورة" (الدرس الثالث/ص/٩) .

وقال العلامة عبد الله بن جبرين حفظه الله:

" وكذلك أيضا من سخر بشيء من آيات الله تعالى، أو بالنبي صلى الله عليه وسلم، ذُكر عن بعض الكتاب أنه كتب مرة يطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إنه بدوي، إنه كان يرعى الغنم، وإنه عاش في عهد ليس فيه تقدم، وليس فيه كذا وكذا، ولا شك أن هذا طعن في الدين؛ لأن هذا الدين جاءنا من قبل هذا النبي الكريم؛ فمن طعن فيه بأنه جاهل، أو بأنه بدوي لا يعرف شيئا، أو بأن هذا الذي جاء به من محادثة فكره، أو أنه مما خيل إليه، أو أنه يريد بذلك أن يكون له شهرة وأتباع ونحو ذلك؛ يعتبر قد كذب على الله، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بهذا الدين الشرعي، وكذَّب القرآن، وكذَّب الشرع كله، لا شك أن هذا أيضا قادح في الدين، قادح في العقيدة، وهو ما ذكر في هذه الآية: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) يعني بالاستهزاء بالله تعالى الاستهزاء بأسمائه وصفاته، وكذلك الاستهزاء بكلامه والتنقص له؛ داخل أيضا في القوادح في الدين.

وكذلك أيضا الاستهزاء بالقرآن، كما ذكر الله تعالى عن الكفار الذين قالوا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) الفرقان/٤ وهؤلاء بلا شك أتوا بما يقدح في عقيدتهم وفي دينهم؛ فلأجل ذلك جعل الله مقالتهم مقالة كفرية، وكذلك أيضا هؤلاء الذين قدحوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنه جاهل، أو إنه بدوي، أو ما أشبه ذلك " انتهى. نقلا عن موقع الشيخ تحت هذا الرابط:

http://www.ibn-jebreen.com/print.php?page=٦٣٧٧

وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله في "معجم المناهي اللفظية" (٤٩٦) :

" ووصْفُ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بدوي مُناقضةٌ للقرآن الكريم، فهو صلى الله عليه وسلم من حاضرة العرب لا من باديتها، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) يوسف/١٠٩

وما يزال انعدام التوفيق يغْشى مَن في قلوبهم دخن، ففي العقد التاسع بعد الثلاثمائة والألف نشر أحد الكاتبين من البادية الدارسين مقالاً، صرَّح فيه بأن النبي صلى الله عليه وسلم من البادية. وقد ردَّ عليه الشيخ حمود بن عبد الله التويجري النجدي برسالة سمَّاها: " منشور الصواب في الرد من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب " والله أعلم " انتهى.

وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله في "سلسلة دروس شرح زاد المستقنع" (درس رقم ٣٩٥، ص/٧) :

" إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم سباً مباشراً باللعن - والعياذ بالله -، أو انتقصه كأن يصف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً ينتقصه به، كأن يقول: إنه بدوي يرعى الغنم، وقصد به التحقير له صلوات الله وسلامه عليه، ونحو ذلك من العبارات؛ فإنه يحكم بكفره " انتهى.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>