للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هل في الجنة حمل وولادة؟

[السُّؤَالُ]

ـ[السؤال: نعلم أن الجنة فيها زوجات، فهل يكون فيها حمل وولادة؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

ذهب بعض العلماء إلى أن العبد إذا تمنى في الجنة أن يكون له ولد، فإن الله يحقق أمنيته بذلك، واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي في سننه (٢٥٦٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ، كَمَا يَشْتَهِي) صححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٤٩) .

(كَانَ حَمْلُهُ) أَيْ: حَمْلُ الْوَلَدِ (وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ) أَيْ: كَمَالُ سِنِّهِ وَهُوَ الثَّلَاثُونَ سَنَةً، (كَمَا يَشْتَهِي) مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

وعلى هذا القول كثير من أهل العلم.

وقال بعض أهل العلم: فِي الْجَنَّةِ جِمَاعٌ وَلَا يَكُونُ وَلَدٌ، وهذا القول رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.

قَالَ الإمام البخاري رحمه الله: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ) .

والحديث الذي أشار إليه البخاري رواه الإمام أحمد (١٥٧٧٣) عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ رضي الله عنه في حديث طويل وفيه: (الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحَيْنِ تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَلْذَذْنَ بِكُمْ، غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ) .

قال ابن القيم رحمه الله: " عليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادى على صحته "، وضعفه الألباني في "ظلال الجنة"، وقال شعيب الأرناؤوط: " إسناده ضعيف مسلسل بالمجاهيل ".

والحديث صريح في انتفاء الولادة، غير أنه مختلف في صحته.

وقد أجيب عن حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي) بأن في ثبوته نظراً، ولذلك قال عنه ابن القيم: إسناده على شرط الصحيح، ولكنه غريب جداً. "حادي الأرواح" (ص ٢١٣) .

وقال: " وحديث أبي سعيد الخدري هذا أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم بغرابته، وأنه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق الناجي، وقد اضطرب لفظه " انتهى.

وقَالَ الإمام إِسْحَقُ اِبْنُ رَاهْوَيْهِ َرحمه الله فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي) قال: وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي.

ومعنى كلام إسحاق أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا اِشْتَهَى الْمُؤْمِن..) إنما هو عَلَى الْفَرْض وَالتَّقْدِير، فَكَلِمَة "إِذَا" وُضِعَتْ مَوْضِع "لَوْ" الْمُفِيدَة لِلْفَرْضِ.

وذكر ابن القيم عدة وجوه يترجح بها أن الجنة ليس فيها ولادة منها:

الأول: حديث ابن رزين.

الثاني: قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) وهن اللاتي طهرن من الحيض والنفاس والأذى.

وعن مجاهد قال: " مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبصاق والمني والولد ".

الثالث: أن الله سبحانه جعل الحمل والولادة مع الحيض والمني، فلو كانت النساء يحبلن في الجنة لم ينقطع عنهن الحيض والإنزال.

الرابع: أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ) رواه مسلم (٥٠٨٥) . ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم، وكانوا أحق به من غيرهم.

الخامس: أنه سبحانه وتعالى قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الطور/٢١، فأخبر سبحانه أنه يكرمهم بإلحاق ذرياتهم الذين كانوا لهم في الدنيا، ولو كان ينشأ لهم في الجنة ذرية أخرى لذكرهم كما ذكر ذرياتهم الذين كانوا في الدنيا، لأن قرة أعينهم تكون بهم كما هي بذرياتهم من أهل الدنيا.

السادس: أنه إما أن يقال باستمرار التناسل فيها لا إلى غاية، أو إلى غاية ثم تنقطع، وكلاهما مما لا سبيل إلى القول به، لاستلزام الأول اجتماع أشخاص لا تتناهى، واستلزام الثاني انقطاع نوع من لذة أهل الجنة وسرورهم وهو محال، ولا يمكن أن يقال بتناسل يموت معه نسل، ويخلفه نسل، إذ لا موت هناك.

السابع: أن الجنة لا ينمو فيها الإنسان كما ينمو في الدنيا، فلا ولدان أهلها ينمون ويكبرون، ولا الرجال ينمون، بل هؤلاء ولدان صغار لا يتغيرون، وهؤلاء أبناء ثلاث وثلاثين لا يتغيرون، فلو كان في الجنة ولادة لكان المولود ينمو ضرورة حتى يصير رجلا، ومعلوم أن من مات من الأطفال يردون أبناء ثلاث وثلاثين من غير نمو.

ثم قال رحمه الله: " والجنة ليست دار تناسل بل دار بقاء وخلد، لا يموت من فيها فيقوم نسله مقامه " انتهى.

"حادي الأرواح" (١/١٧٣) .

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>