للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب؟

[السُّؤَالُ]

ـ[مع بالغ احترامي للأئمَّة الفضلاء، إلا أنني أستغرب لماذا قضية " التمذهب " الموجودة في هذه الأيام، ألم تكن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، فلماذا الاختلاف إذاً؟ هذا حنفي، وهذا شافعي ... إلخ، ألم يكن يتبع هؤلاء الأئمة سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، فمِن أين نشأ الخلاف؟ وهل يجب على المسلم أن يتبع مذهباً محدَّداً، أم أنه يكفيه أن يتبع الكتاب، والسنَّة، وكفى؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

بُعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام الخالدة، وقد أُمر المسلمون باتباع ما جاء في كتاب ربهم تعالى، وما جاء في سنته صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرتوون من هذين المصدرين، ثم إنهم رضي الله عنهم قاموا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بمهة تعليم الناس دينهم، وقد تفرقوا في الأمصار، ولا شك أنهم لم يكونوا سواء في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن كان منهم أحفظ كانت فتياه مطابقة للسنَّة، ومن لم يكن حافظاً فإنه يجتهد لمعرفة الصواب، وهكذا كان اختلافهم في الحفظ سبباً لاختلافهم في الفتيا.

ثم إن النص الواحد قد يكون محفوظاً لكلا الصحابيين، لكنَّ كل واحدٍ منهما يفهم منه غير ما فهم الآخر، ويكون النص محتملاً لهذا، وذاك، وكل واحد منهما يجتهد في فهم النص وفق مراد الشرع، والمصيب منهما واحد، وهكذا كان الاختلاف في فهم النص من أسباب اختلافهم.

ثم انتشر العلم في الآفاق، وصار في هذا الدين أئمة علم وهدى، ومنهم الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله) ، فظهرت أسباب أخرى لاختلافهم غير ما سبق، وهو اختلافهم في صحة الحديث وضعفه، واختلافهم في بعض قواعد فهم النصوص، وهو ما اصطلح على تسميته " أصول الفقه ".

قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:

"أما أسباب اختلاف العلماء فكثيرة، منها: أن كل واحد منهم لا يحيط بالعلم كله فقد يخفى عليه ما علم غيره، وقد يفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح" انتهى.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ١٧٨) .

وبهذا يتبين ما يلي:

١. الواجب على المسلم أن يتبع ما جاء في القرآن الكريم، وما ثبت في السنَّة النبوية، ولا يجب عليه التمذهب بمذهب فقهي معين.

٢. أن الاختلاف بين العلماء له أسبابه الكثيرة، وقد جُمعت هذه الأسباب في كتاب " رفْع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب " أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك " للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.

٣. أن أئمة الدين ليسوا أربعة فقط، بل هم كُثر، لكن الله تعالى جعل الشهرة للأئمة الأربعة رحمهم الله.

٤. هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين مذهبهم هو اتباع النصوص، وتعظيمها، وقد أمرونا بذلك، ونهونا عن تقليدهم، فمن رضيهم له أئمة: فليرض مذهبهم.

فلم يدعُ واحد من أئمة الدين الناس لتبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره، وقد نزههم الله تعالى عن هذا، بل قد ثبت عنهم جميعاً التحذير من هذا الفعل، والوصية بالأخذ من الكتاب والسنَّة.

٥. أن هذه المذاهب هي بمثابة مدارس لفهم الكتاب والسنة، وأئمتها اجتهدوا للوصول إلى الأحكام التي يرون أنها أقرب إلى الكتاب والسنة، ولا حرج على المسلم أن يتمذهب بمذهب من هذه المذاهب، ولكن بشروط أنه من ظهرت له السنة النبوية في خلاف ما علمه من مذهبه، فالواجب عليه ترك المذهب واتباع السنة، وهذه هي وصية هؤلاء الأئمة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله وغيره: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".

٦. الناس ليسوا سواء ف الاطلاع على نصوص الوحي، ولا سواء في إمكانية فهم النصوص، لذا، فقد ارتضت طائفة كبيرة من المسلمين بتقليد هؤلاء الأئمة، وبما أن الشهرة كانت لأولئك الأئمة الأربعة، وكان لهم تلاميذ نشروا أقوالهم: صرت ترى ذلك المقلد "حنفيّاً" أو "مالكياً" أو "شافعيّاً" أو "حنبلياً"، وغالباً ما يكون مذهب أولئك العوام مذهب شيخهم في مدينتهم، أو قريتهم، وهذا العامي لا حرج عليه في فعله؛ لأنه مأمور بسؤال أهل العلم، لكن ليس له أن يُنكر على غيره تبني قولاً آخر، وليس له أن يفتي، ولا أن يتعصب لقول شيخه، بل متى ظهر له الحق فيجب عليه العمل به، ولا يسعه غير ذلك.

وللوقوف على طائفة من أقوال العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة: انظر أجوبة الأسئلة: (٢١٤٢٠) و (١٠٣٣٣٩) و (٢١٤٢٠) و (٩٩٨٨٤) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>