للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وقت أذكار المساء هل يقع التداخل بين أذكار الصلاة وأذكار الصباح والمساء

[السُّؤَالُ]

ـ[أريد أن أسأل عن أذكار المساء هل تقال كلها في الفترة ما بين صلاة العصر والمغرب أم أنه صحيح أن (آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين) تقال بعد الأذان و (حسبي الله الذي لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) تقال بعد أن أصلي المغرب.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

اختلف العلماء في تحديد وقت أذكار المساء، فمنهم من قال: إنه ما بين العصر والمغرب، ومنهم من قال: إنه من زوال الشمس (وهو بداية وقت الظهر) إلى غروب الشمس، وفي أول الليل، ومنهم من قال: هو من زوال الشمس إلى منتصف الليل.

وإلى القول الأول ذهب ابن القيم رحمه الله، وقال كما في "الوابل الصيب" ص ١٢٧: " الفصل الأول في ذكر طرفي النهار، وهما ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، قال سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين امنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) والأصيل: قال الجوهري: هو الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصل وآصال وآصائل ... وقال تعالى: (وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) فالإبكار: أول النهار، والعشي: آخره، وقال تعالى: (فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث مَنْ قال كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي، أن المراد به قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر " انتهى.

وإلى القول الثاني ذهب بعض أهل العلم، وبه أفتت اللجنة الدائمة، حيث سئلت: هل أذكار المساء تكون بعد صلاة العصر أو بعد غروب الشمس؟ أي بعد صلاة المغرب.

فأجابت: " أذكار المساء تبتدئ من زوال الشمس إلى غروبها، وفي أول الليل. وأذكار الصباح تبتدئ من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، قال الله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وقال سبحانه: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر والمغرب. وقال سبحانه: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/١٧٨) .

وإلى القول الثالث ذهب السيوطي رحمه الله، كما نقله عنه ابن علان في "الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية" (٣/٧٣) .

وبهذا يتبين أيضا الخلاف في وقت أذكار الصبح هل هو فيما بين طلوع الفجر إلى شروق الشمس، أم إلى زوالها؟

وثمة أقوال أخر في المسألة، لكن اقتصرنا على المشهور منها.

ثانيا:

دلت السنة الصحيحة على أن آية الكرسي تقال في أذكار الصباح والمساء، وذلك فيما رواه النسائي في عمل اليوم والليلة، والطبراني في الكبير عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان له جُرْن من تمر فكان ينقص فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابةٍ شِبه الغلام المحتلم فسلم عليه فرد عليه السلام فقال: ما أنت جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: فناولْني يدك، فناوله يده فإذا يده يد كلب وشعره شعر كلب. قال: هذا خَلْق الجن؟ قال: قد علمت الجن أن ما فيهم رجل أشد مني. قال: فما جاء بك؟ قال: بلغنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامك. قال: فما ينجينا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) من قالها حين يمسي أُجير منها حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي. فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: (صدق الخبيث) . والحديث جود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٦٢) .

كما دلت السنة على أن المعوذات من أذكار الصباح والمساء أيضا، وذلك فيما رواه أبو داود (٥٠٨٢) والترمذي (٣٥٧٥) والنسائي (٥٤٢٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ لَنَا فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ أَصَلَّيْتُمْ؟ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ قُلْ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ قُلْ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ قُلْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ قَالَ: (قُلْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود.

وجاء في الذكر بآية التوبة: ما رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧١) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال في كل يوم حين يصبح وحين يمسي: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) سبع مرات كفاه الله عز وجل ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة) والحديث صححه شعيب الأرنؤوط في تحقيق "زاد المعاد" (٢/٣٤٢) .

ثالثا:

دلت الأحاديث السابقة على أنه لا فرق بين هذه الأذكار، فجميعها يقال حين يصبح الإنسان، وحي يمسي. فلا يصح أن يقال: بعضها يقال بعد الأذان، وبعدها يقال بعد صلاة المغرب.

لكن بناء على الأقوال الثلاثة المشار إليها في وقت أذكار المساء، فإن من أتى بها بين العصر والمغرب، فقد أتى بالذكر في وقته. وأما الإتيان بها بعد أذان المغرب أو بعد صلاة المغرب، فهذا على القول بأن وقتها ممتد إلى ما بعد المغرب أو إلى نصف الليل، كما سبق.

رابعا:

قد يقع التداخل بين أذكار الصلاة وأذكار الصباح والمساء، فقد دلت السنة على أن آية الكرسي والمعوذات من الأذكار التي تشرع في أدبار الصلوات، فروى النسائي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٥٩٥) .

وروى أبو داود (١٥٢٣) والنسائي (١٣٣٦) والترمذي (٢٩٠٣) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

فمن أتى بذلك بعد صلاة الصبح وقعت عن أذكار الصلاة وعن أذكار الصباح، لكن ينبغي أن يقرأ المعوذات ثلاثا، كما تقدم في حديث عبد الله بن خُبيب.

ومن أتى بذلك بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة المغرب – على القول بامتداد وقت أذكار المساء إليه – وقعت عن أذكار الصلاة وعن أذكار المساء.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>