للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

لبست الحجاب وخلعته ثلاث مرات لأسباب شخصية! فهل هي آثمة؟

[السُّؤَالُ]

ـ[ترعرعت في الولايات المتحدة الأمريكية، والحمد لله أديت العمرة مع والدي أولاً، ثم مع أبنائي الثلاثة وزوجي الذي اعتنق الإسلام، إنني لست راضية عن نفسي، رجعت من العمرة، وبدون أمر زوجي لي: بدأت ألبس الحجاب، ولأسباب شخصية خلعته ٣ مرات، وأعرف أنه خطأ، فهل في فعلي هذا ذنب؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

نسأل الله أن يتقبل منكِ طاعتك، وأن يثبتك وأسرتك على الحق، وأن يجعلك أمّاً بارَّة، وزوجة صالحة.

واعلمي أيتها الأخت السائلة أنك لستِ بحاجة لزوجك ليأمرك بالحجاب، فالأمر قد صدر من قبل، والذي أصدره هو رب السماء والأرض، ولا خيار لك في فعله أو تركه، بل هو واجب لا مناص من الالتزام به، ولا يسعك غير ذلك.

قال تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِن) النور/ ٣١.

واعلمي أيتها الأخت أن في الالتزام بالحجاب ما يكفل للمجتمع الإسلامي الصيانة، والعفاف، وانتشار الفضيلة، وحسن الخلُق، وأن في التفريط في أمر الحجاب والتهاون فيه ما يفضي إلى انتشار الفساد، وشيوع الرذيلة والمنكرات - والعياذ بالله تعالى -، وهذا معلوم وبيِّن لمن له أدنى معرفة واطلاع، وهو أمرٌ مشاهَد للقاصي والداني.

وما أشرتِ إليه أيتها الأخت السائلة من قيامك بنزع الحجاب عدة مرات: فلا ريب أن هذا العمل من أعظم المحرمات، بل هو هتك للستر الذي أمر الله به، ويضاف إليه: ما في نزع الحجاب من المجاهرة بالمعصية، والخروج عن أمر الشرع المطهر.

إن المسلمة التي من الله عليها بالتزام أمره، فصلت، واعتمرت، ولبست الحجاب، قد سارت في طريق طاعة ربها، وعاهدت على المسير في الصراط المستقيم، حتى تصل إلى جنته، أو هكذا يجب أن يكون المسلم.

وأخطر ما في ترك الحجاب، وترك الطاعة، والرجوع إلى سالف العهد من المعاصي والتفريط في حق الله، أخطر ما في ذلك كله أنه نقض لعهد الله إلينا بالطاعة، وعهدنا معه بالوفاء، وهدم لما كنا بنيناه في طريق الهداية.

قال الله تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد/١٩-٢٤.

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره ـ (٤١٦) ـ: " يقول تعالى: مفرقا بين أهل العلم والعمل وبين ضدهم: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) ففهم ذلك وعمل به، (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) لا يعلم الحق ولا يعمل به، فبينهما من الفرق كما بين السماء والأرض، فحقيق بالعبد أن يتذكر ويتفكر أي الفريقين أحسن حالا وخير مآلا فيؤثر طريقها ويسلك خلف فريقها، ولكن ما كل أحد يتذكر ما ينفعه ويضره، (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) أي: أولو العقول الرزينة، والآراء الكاملة، الذين هم لُبّ العالم، وصفوة بني آدم، فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) الذي عهده إليهم والذي عاهدهم عليه من القيام بحقوقه كاملة موفرة، فالوفاء بها توفيتها حقها من التتميم لها، والنصح فيها، (و) من تمام الوفاء بها أنهم (لا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) أي: العهد الذي عاهدوا عليه الله، فدخل في ذلك جميع المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد، فلا يكون العبد من أولي الألباب الذين لهم الثواب العظيم، إلا بأدائها كاملة، وعدم نقضها وبخسها.

(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) وهذا عام في كل ما أمر الله بوصله، من الإيمان به وبرسوله، ومحبته ومحبة رسوله، والانقياد لعبادته وحده لا شريك له، ولطاعة رسوله، ويصلون آباءهم وأمهاتهم ببرهم بالقول والفعل وعدم عقوقهم، ويصلون الأقارب والأرحام، بالإحسان إليهم قولا وفعلا ويصلون ما بينهم وبين الأزواج والأصحاب والمماليك، بأداء حقهم كاملا موفرا من الحقوق الدينية والدنيوية.

والسبب الذي يجعل العبد واصلا ما أمر الله به أن يوصل، خشية الله وخوف يوم الحساب، ولهذا قال: (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به خوفا من العقاب ورجاء للثواب.

(وَالَّذِينَ صَبَرُوا) على المأمورات بالامتثال، وعن المنهيات بالانكفاف عنها والبعد منها، وعلى أقدار الله المؤلمة بعدم تسخطها، ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة ... .

(أُولَئِكَ) الذين وصفت صفاتهم الجليلة ومناقبهم الجميلة (لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) فسرها بقوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ) ، أي: إقامة لا يزولون عنها، ولا يبغون عنها حولا؛ لأنهم لا يرون فوقها غاية لما اشتملت عليه من النعيم والسرور، الذي تنتهي إليه المطالب والغايات.

ومن تمام نعيمهم وقرة أعينهم أنهم (يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ) من الذكور والإناث (وَأَزْوَاجِهِمْ) ، أي: الزوج أو الزوجة وكذلك النظراء والأشباه، والأصحاب والأحباب، فإنهم من أزواجهم وذرياتهم.

(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) يهنئونهم بالسلامة وكرامة الله لهم ويقولون: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ، أي: حلت عليكم السلامة والتحية من الله وحصلت لكم، وذلك متضمن لزوال كل مكروه، ومستلزم لحصول كل محبوب.

(بِمَا صَبَرْتُمْ) ، أي: صبركم هو الذي أوصلكم إلى هذه المنازل العالية، والجنان الغالية، (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) .

فحقيق بمن نصح نفسه وكان لها عنده قيمة، أن يجاهدها، لعلها تأخذ من أوصاف أولي الألباب بنصيب، لعلها تحظى بهذه الدار، التي هي منية النفوس، وسرور الأرواح الجامعة لجميع اللذات والأفراح، فلمثلها فليعمل العاملون وفيها فليتنافس المتنافسون " انتهى.

فالواجب عليك ـ أختنا الكريمة ـ: التوبة إلى الله جل وعلا، والرجوع إليه، بذلٍّ، وانكسار، والمسارعة إلى الندم، والالتزام بأوامر الله تعالى، والحفاظ على الستر، والحشمة، والعفة، بل ويجب عليكِ الإنكار – إن استطعتِ - على من ترينها تجاهر بهذه المعصية الظاهرة، وأن توجهيها إلى الالتزام بالحجاب، وأن تبيني لها حكم الله في ذلك.

وقد سبق في هذا الموقع الكلام عن الحجاب في أكثر من جواب، وتلك الأجوبة جاءت على صور، منها ما كان بياناً لحكم الحجاب، وأنه واجب، كما في جواب السؤال رقم: (٢١٥٣٦) ، ومنها ما ذُكرت فيه الأدلة الدالة على وجوبه، كما في جواب السؤال رقم: (١٣٩٩٨) ، ورقم: (١١٧٧٤) ، ومنها ما كان بياناً لصفة الحجاب الشرعي، كما في جواب السؤال رقم: (٦٩٩١) ، وغيرها من الأجوبة الدالة على أهمية الحجاب في حياة المرأة المؤمنة.

فلا تجعلي من الأسباب الشخصية مسوغاً لنفسك لترك ما أمرك الله تعالى به، فليس لك عذر في هذا، وإنما هو من كيد إبليس ووسوسته، فاحذريه، وانتبهي لنفسك أن يُختم لك بمعصية ترك الحجاب، وهو ما نرجو أن لا يكون، بل نرى أن مراسلتك لنا علامة خير ودين، ولا نظن إلا أنك ستلتزمين بأمر الله، ولن تخلعيه البتة.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>