للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هل يأثم الابن إذا رفض سفر والدته لزيارته حرصا على زوجها وأسرتها؟

[السُّؤَالُ]

ـ[يسكن أخي البالغ من العمر ٤٥ سنة بالديار الأوروبية، متزوج وله طفلتان من أجنبية، المشكلة هو أنه يرفض إنجاز أوراق الإقامة لأمي، لأنها حين كانت تذهب عنده لأجل قضاء شهر تمكث ٩ أشهر، وتترك الأولاد والزوج في البلد، وحين طلب منها الرجوع إلى بيتها وزوجها انهالت عليه بالشتائم أمام زوجته وأطفاله، وحين رجعت رفض أن ينجز لها التأشيرة تفادياً للوقوع معها في المشاكل، خاصة وهي عصبية المزاج، وتثور لأتفه الأسباب، مما يؤدي به إلى تعاطي المخدرات، يسأل هل إذا رفض مجيئها يعتبر آثما؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

البر الواجب الذي أمر الله به في كتابه وحث عليه رسوله صلى الله عليه وسلم يقتضي السعي في خدمة الوالدين وإسعادهما وإرضائهما، وذلك بكل وسيلة متاحة مباحة، وفي كل فرصة ممكنة.

ومن أفضل ما يبر المرء به والديه الحرص على نجاح حياتهما الزوجية، وتواصل الود والمحبة والعشرة الحسنة بينهما، فإن الأبناء الحكماء البررة يملكون من تقريب الود بين الوالدين ما لا يملكه غيرهم، وكثيراً ما يكونون سبباً لتجاوز كل ما قد ينغص حياة الأسرة.

ولا أرى حرص أخيكِ على بقاء والدته بين أبنائها وزوجها إلا دليلا على حكمته، خاصة إذا كانت الأسرة تتضرر بغياب الوالدة كثيراً – كما هو الحال غالباً -.

ولكن ينبغي عليه أن يحسن التصرف ويختار الأسلوب الأمثل في تجاوز هذا التعارض: تعارض رغبته في محافظة والدته على أسرتها وبيتها، مع رغبة والدته في زيارته في غربته والبقاء معه.

ولن يعدم – إن شاء الله – فكرة متميزة تحل له هذه المشكلة، فإذا كان بإمكانه تحديد تأشيرة زيارة الوالدة بالشهر: فهذا حسن، ويعتذر لوالدته إذا أنهت شهر الزيارة بانتهاء التأشيرة ولزوم العودة، والأَوْلى من ذلك إن كان يقدر على استقبال أسرته كلها، فيستخرج لهم تأشيرات الزيارة جميعا، كي يصحبوا والدتهم حيثما كانت.

فإن استطاع أن ينصح والدته بالحسنى ويصارحها بوجوب طاعة زوجها وخدمته – خاصة إذا كان الزوج غير موافق على خروجها كل تلك الفترة – فليجتهد في ذلك، ولا يستحيي أو يمل، ولا يضره إن كانت والدته ستتهمه بعقوقها أو كراهية زيارتها، فإن الله سبحانه وتعالى مُطَّلِعٌ على ما في قلبه، ويعلم نيته وحقيقة حاله.

يقول سبحانه وتعالى: (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً) الإسراء/٢٥.

قال الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

يقول تعالى ذكره (ربُّكم) أيها الناس (أَعلمُ) منكم (بِمَا في نُفُوسِكم) من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم والبر بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم والعقوق لهم وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على حسن ذلك وسيئه، فاحذروا أن تضمروا لهم سوءا وتعقدوا لهم عقوقا.

وقوله (إنْ تكونوا صالِحين) يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم وأطعتم الله فيما أمركم به من البر بهم والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم، مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه: (فإنَّه كان للأوابين) بعد الزلة والتائبين بعد الهفوة (غفُوراً) لهم.

" تفسير الطبري " (١٧ / ٤٢١، ٤٢٢) .

وفي هذه الآية دعوة صادقة لأخيكِ أن يمحص قلبه ونيته، ليكون باعثه على اعتذاره عن تأشيرة زيارة الوالدة هو حرصه على صلاح بيتها وأسرتها ببقائها فيه، وعدم معاونتها على الإثم الذي ترتكبه حين تعصي زوجها وتسافر بغير رضاه.

وأما إن كان باعثه الحقيقي كراهية والدته ورغبته عن استقبالها واستضافتها وخدمتها فهو آثم حينئذ، مرتكب معصية وواقع في كبيرة العقوق، فإن من أعظم حقوق الوالدين على أولادهم رعايتهم في كبرهم وتوفير الخدمة لهم.

وعلى الأخ، إذا لم يتمكن من التحكم في زيارة الوالدة على النحو المناسب المعقول، أن يعوض ذلك بأن ينزل هو للزيارة، كلما تمكن من ذلك، وألا يطيل الاغتراب عنها، ثم يحاول أن يجتهد في صلتها والإحسان إليها بالهدايا ونحوه، خاصة مما تتعلق نفسها به.

ثانياً:

أما ما ذكرتِ في شأن تعاطي أخيك المخدرات: فإن كنت تقصدين الحبوب المهدئة التي يتناولها من يصاب بنوبات الفزع والغضب والقلق: فإن الأصل في هذه الحبوب عدم جوازها لما فيها من المخدر المفتر الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه، ولكن إذا كان ذلك لحاجة يقدرها الطبيب المختص فيجوز له تناولها حينئذ تحت إشراف الطبيب فقط، فإن الحاجة تنزل منزلة الضرورة.

سئل الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:

ما حكم تناول الحبوب المنومة أو ما يسمى بالمهدئات، وهل تدخل ضمن المخدرات أم لا، وهل تجوز إذا دعت الضرورة أو أرشد إليها الطبيب؟ .

فأجاب:

هذه الحبوب لا يجوز استعمالها إلا إذا دعت الحاجة إليها، بشرط أن يكون الآذن بها طبيباً فاهماً عالماً؛ لأن هذه لها خطر، ولها مردود فعل على المخ، فإذا استعملها الإنسان فقد يهدأ تلك الساعة ويلين، لكنه يعقبه شر أكبر وأعظم، فالمهم أنه يجوز استعمالها للحاجة، بشرط أن يكون ذلك تحت نظر الطبيب وإذنه.

" فتاوى نور على الدرب " (شريط رقم: ٨٢ / الوجه الأول) .

وإذا كانت هذه الحبوب تفتَِّر الجسم فإنه يكون حكمها حكم المخدرات المحرَّمة.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الأدوية المهدئة التي تستخدم في علاج بعض الأمراض العصبية وغيرها، وتوضع تحت قسم المفترات؟ .

فأجابوا:

لا يجوز التداوي بما حرم الله، ومن المحرمات تناول المفترات.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ٣٢) .

وأما إذا كنت تقصدين المخدرات الممنوعة – لا قدر الله -، التي يتعاطاها المدمنون شهوة من عند أنفسهم، فهذه معصية عظيمة يجب عليك مناصحة أخيك بشأنها والسعي في تخليصه منها بمراجعة الأطباء المختصين الذين يشرفون على علاج مثل هذه الحالات، وقد سبق في موقعنا بيان حرمة هذه المواد لما فيها من ضرر كبير على الفرد والمجتمع.

انظري جواب الأسئلة رقم (٦٥٤٠) و (٣٢٤٦٦) و (٦٦٢٢٧) .

ونسأل الله لك ولأخيك الحفظ والهداية والتوفيق.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>