للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

مبتلى بالعادة السرية ويعاني من الاغتسال فهل يصلي بوضوء وهو جنب؟

[السُّؤَالُ]

ـ[أنا شاب نشأت نشأة متدينة، أحفظ القرآن الكريم، أدمنت تحسس أعضائي والعبث بها، لم أكن أعلم أن ما أمارسه هو العادة السرية إلا بعد سنوات، ولم أكن أعلم أنها تسبب الجنابة والحدث الأكبر. أنا أدمنت إدماناً شديداً على فعل هذه العادة، حتى إني أفعلها في اليوم ثلاث مرات. لما علمت أنها تسبب الجنابة، وأنها توجب الغسل: بدأت في بادئ الأمر أغتسل، ولكن لا فائدة، فلا يكاد ينتصف اليوم حتى أفعلها، أصبحت أكتفي بالوضوء للصلاة وقراءة القرآن؛ لأنه يصعب الاغتسال في كل مرة، بدأت أشك في صحة صلاتي وأنها باطلة، ثم بدأت أتهاون بها، ولا أحرص عليها إلا إذا اغتسلت، ثم خفت أن أكون كافراً فقررت أن أتوضأ وأصلي حتى لا أتَعَوَّد على تركها. لقد حاولت تركها مرات ليست بالقليلة ولكن جميعها فشلت، أقصى مدة استطعت أن أبقى فيها بدون استمناء ثلاثة أيام فقط ثم أعود وأمارسها بشراهة. هل أستمر على ما أنا عليه وأحضر الصلاة مع الجماعة متوضأً الوضوء العادي فقط، أم أتركها وأجمعها إلى حين أغتسل؟ وهل أقرأ القرآن في تلك الفترة؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

لا بدَّ أن نقف معك قليلاً قبل أن نجيب على أسئلتك، فقد سرَّنا أنك راسلتنا، وذكرت لنا ما تعانيه من تسلط الشيطان على نفسك، وساءنا أن وصل بك المقام إلى هذا الحد، لكننا نرجو ربنا تعالى أن يوفقك ويهديك لأحسن الأخلاق والأفعال، ونرى أن حفظك للقرآن وحبك للطاعة والعبادة وبخاصة الصلاة، سيكون ذلك سبباً – إن شاء الله – في حفظك وهدايتك.

ثانياً:

واعلم أن ما تفعله من ممارسة العادة السرية السيئة قد فعله كثيرون، ووفقهم الله إلى التوبة منه، والأسباب في انقطاع هؤلاء عنها كثيرة، فبعضهم يتركها خوفاً من الله، وحياءً منه سبحانه وتعالى ومن ملائكته الكرام، فهو يعتقد أن الله تعالى يراه، فيتركها حياء منه، ويعلم أن الملائكة تراه، فيتركها حياء منهم، ويعلم أن الله حرَّمها فيخاف عقوبته، ومن هؤلاء من يتركها لما يقف عليه من أضرارها الكثيرة، على النفس، والبدن، ويعلم أنها ستؤثر على حياته الزوجية، فيتركها خوفاً من أن تصيبه عواقبها، ومن هؤلاء من يتركها لأنها تتنافى مع فطرته السوية، وعقله الذي وهبه الله إياه.

وفي ظننا أنك ستتركها من أجل كل ما سبق، فقد وهبك الله قوة وشباباً، وصحة وعافية، واستقامة وهداية، وهي نِعَم لا يمكن لك أن تؤدي شكر بعضها لو عشت عمر نوح عليه السلام، تصلي وتطيع ربك، فهل هذا هو شكر هذه النعم؟ وبما أنك تحفظ كتاب الله تعالى، وتعلم حكم ترك الصلاة فإن ذلك سيدفعك للتفكير مليّاً في أن هذه العادة أدَّت بك إلى التفريط في أعظم أركان الإسلام العملية وهي الصلاة، وأن بتركك لها ستصير في زمرة المشركين والمرتدين عن دين الله! فظننا بك حسنٌ، وهو أنك ستترك هذه العادة حياء من الله تعالى وملائكته، وخوفاً من عقوبته، ولما يترتب عليها من آثار سيئة على النفس والبدن، ولما هو بيِّن في الشرع من تحريمها.

فهذا هو الظن بك، ونرجو أن لا يخيب ظننا بك، ونرجو منك – بعد كل هذا – أن تفكِّر في شيئين اثنين لا ثالث لهما:

الأول: ماذا لو رآك أحد المشايخ الكبار والعلماء الأجلاء الذين تثق بهم وتحترمهم؟

ماذا لو رآك وأنت تمارس هذه العادة السيئة؟! هل ستطيب لك حياة؟ هل تستطيع مواجهته بعد ذلك؟

فاعلم أن الله تعالى يراك ويطلع عليك! واعلم أن ملائكته الكرام يرونك! .

الثاني: نأمل أن تفكِّر للحظة واحدة أن يقدِّر الله تعالى عليك الوفاة وأنت تمارس هذه العادة! فهل يرضيك أن تكون هذه هي خاتمتك؟ هل يرضيك أن تُبعث من قبرك وأنت على هذه الحال؟ وهل يرضيك أن تموت جنباً من فعل محرَّم؟!

نأمل أن تفكر في هذين الأمرين، لتراسلنا بعدها معاهداً نفسك على عدم فعلها، وسالكاً سبيل تعمير القلب بالإيمان واليقين، ومبتعداً عن كل سبب يؤدي فعل هذه العادة، كالنظر المحرَّم، والخلوة، والقراءة للقصص المهيجة، وغيرها من الأسباب، وننتظر رسالة منك تخبرنا بها أنك تائب إلى الله تعالى، محافظ على الطهارة والصلاة، وعسى أن لا يخيب ظننا بك، وعسى أن يكون ذلك قريباً.

ثالثاً:

اعلم أن نزول المني بشهوة موجب للاغتسال، وأنه لا يحل لك الاكتفاء بالوضوء للصلاة بعد أن تكون جنباً، وهذا لا خلاف فيه، ولن نقول لك توضأ وصلِّ فهو خير من عدم صلاتك؛ لأن في هذا غشّاً في الفتوى، وغشّاً لك، بل نقول لك جازمين: الصلاة من غير اغتسال في حال الجنابة باطلة، وفعلها مع علمك بهذا نوع من أنواع الاستهزاء بالشريعة.

والصلاة من غير طهارة كبيرة من كبائر الذنوب، يستحق صاحبها العذاب في القبر، واسمع لهذا الحديث الذي رواه الطحاوي في مشكل الآثار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه أفاق فقال: علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره) حسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٣٤) .

فهذه عقوبة من صلى صلاة واحدة بغير طهارة، فهل تقوى عليها؟

وإياك أن تستجيب لنزغات الشيطان الذي يدعوك لترك الصلاة، وقد تزين لك نفسك ذلك، فراراً من هذه العقوبة.

ولكن. . ليس هكذا يكون الفرار من العذاب، فمثل ذلك كمثل من فر من شيء إلى ما هو أسوأ منه.

لأن ترك الصلاة كفر مخرج من الإسلام، والكافر خالد مخلد في النار أبداً، فاعلم هذا وتيقنه، فلعله أن يفيدك في أن تعلم الحال الذي أوصلتك له تلك العادة السيئة، ولعلك أن تسارع في إصلاح الخطأ والخلل الذي أصاب حياتك بسبب تلك الفعلة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

الطهارة من الجنابة فرض، ليس لأحدٍ أن يصلي جُنُباً، ولا محدثا حتى يتطهر، ومَن صلَّى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك: فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك: فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة.

" مجموع الفتاوى " (٢١ / ٢٩٥) .

والفرار من العذاب يكون بالفرار إلى الله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين) الذاريات/٥٠.

وكل من خفت منه ففرت منه، إلا الله تعالى فإنك إذا خفته ففرت إليه، والفرار إليه معناه: الفرار مما يكرهه الله إلى ما يحبه، الفرار من المعصية إلى الطاعة، من الكفر إلى الإيمان، من البدعة إلى السنة، من الغفلة إلى الذكر.

نسأل الله أن يطهر قلبك ويحصن فرجك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.

والله الموفق

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>