للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

يريد أهل الزوج من ابنهم تطليق زوجته وهو لا يرغب في ذلك

[السُّؤَالُ]

ـ[عشتُ أربع سنوات، هي مدة زواجي كله إلى الآن، وأنجبت ابناً عمره الآن عام ونصف، ذقتُ كل أشكال العنف الأسري المعروفة: مِن ضرب، وإهانة، وطرد من البيت، وعدم إنفاق، كل هذا يهون في مقابل أن ابني يكون له أب مثل كل الأطفال، لكن السؤال هو أني قبل زواجي من سبع سنين كنت متزوجة من زميل لي في الجامعة، ولكن في بداية الأمر كان زواجاً عرفيّاً، وبعد أن علم الأهل بالأمر: تم تصحيحه إلى زواج شرعي، ولكن لم يستمر، وتم طلاقنا، وتزوجت زوجي هذا الآن، مع العلم أنه يعلم هذا، وقبَل بزواجنا، المشكلة هي أنه أصبح يذلني بهذا الأمر ليل نهار، وزادت المشاكل بيننا، ودائما تتدخل أمه بيننا، وتعكر صفو حياتنا، وتفسد عليَّ كل ما أنجح في إصلاحه معه، ومؤخراً لأني أسكن في بيت عائلة تدخلت بيننا في مشكلة، وسمعت ما سمعت، وعلمت بموضوع زواجي الأول، وهي الآن هي وزوجها يطالبونني بأخذ عفشي، ويطلقوننا، مع العلم أن هذا الطلاق ضد رغبة زوجي؛ لأنه لا يريد أن تتم تربية ابنه بعيداً عنه؛ لأنه هو أيضا كان مطلقاً مثلي عند زواجنا، وله ولد تربي عشر سنوات بعيداً عنه، ولا يريد أن يكرر ذلك معي، ويدَّعي أنه يحبني، وأنا لا أدري ماذا أفعل مع أهله، وطلبت منه أن ننتقل من هذا المسكن، قالت له أمه: إني خائنة! وممكن أسرق العفش بعد ذلك، وأدَّعي عليه أنه سرقه مني، وقالت له: إن وجودنا في البيت أمان؛ لأنها موجودة باستمرار، ولن تستطيع أن تسرقه ونحن موجودون، وتقول له أن يطلقني، وأن يتزوج بغيري.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

الزواج العرفي له صورة يكون فيها باطلاً، وله صورة أخرى يكون فيها ناقصاً، فيكون باطلاً حيث يعقد الرجل على المرأة من غير موافقة وليها، ويكون ناقصاً إذا خلا من الإشهار والإعلان، على أن الصورة المتبادرة منه، والتي أشرت أنها تكون بعيدا عن علم الأهل، والتي توجد في بعض البلاد الإسلامية، مع الأسف، هي صورة من صور النكاح الباطل، بل ليست نكاحا أصلا!!

وفي جوابي السؤالين: (٤٥٥١٣) و (٤٥٦٦٣) تفصيل وافٍ لمسائله وأحكامه.

ثانياً:

من حقوق الزوجة على زوجها: عشرتها بالمعروف، واحترامها، وعدم إهانتها.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه مسلم (٢٣٢٨) .

وعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: (أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) .

رواه أبو داود (٢١٤٢) وابن ماجه (١٨٥٠) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".

قال المناوي – رحمه الله -:

" يحرم ضرب الزوجة، إلا النشوز ".

" فيض القدير " (١ / ٦٦) .

وقال الشوكاني – رحمه الله -:

وظاهر حديث الباب: أنه لا يجوز الهجر في المضجع، والضرب، إلا إذا أتين بفاحشة مبينة لا بسبب غير ذلك، وقد ورد النهي عن ضرب النساء مطلقاً.

" نيل الأوطار " (٦ / ٢٦٣) .

وقال الإمام الصنعاني – رحمه الله -:

وقوله: (لا تقبِّح) أي: لا تُسمعها ما تكره، وتقول: قبَّحكِ الله، ونحوه من الكلام الجافي.

" سبل السلام " (١ / ١٥٠) .

فالواجب على الزوج أن يتقي الله تعالى ربَّه، وأن يعلم أنه لا يحل له إذلال زوجته على أمرٍ قد قُضي وانتهى، وليعلم أنه يسيء لنفسه بذلك؛ حيث علم بزواجها من قبل، ثم رضي بها زوجة له، وأمّاً لأولاده، فما يلحقها من عيب يلحقه، وما يسيء به لها فإنما يسيء لنفسه، فيجب عليه أن يحسن عشرتها، وأن يؤدي حقوقها، وليتنبه لأمر مهم، وهو أن عاقبة الظلم وخيمة على الظالم في الدنيا والآخرة، وأن الظلم من الذنوب التي يعجل الله تعالى عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق) رواه الحاكم (٤ / ١٩٦) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١١٢٠) .

وإذا كان هذا الزوج لا يريد نسيان ماضي زوجته، ويرغب بالاستمرار في إذلالها وإهانتها به: فلا يبقها في ذمته، وليطلقها، وليعطها حقوقها المتفق معه عليها، وأما أن يُمسكها ولا يعطيها حقوقها، أو يمسكها مع إهانتها وتحقيرها: فلا يحل له ذلك.

وينظر – للاستزادة -: جوابي السؤالين: (٤١١٩٩) و (١٠٦٨٠) .

ثالثاً:

لا يجوز للزوج أن يلبي رغبة والديه بطلاق زوجته، إلا أن تكون أسبابهم التي من أجلها رغبوا بتطليقها أسباباً شرعية، كوقوعها في معصية، أو تركها لواجب.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

رجل تزوج امرأة بإذن والديه، فلما دخل بها ومكث معها ثلاث سنوات، وأنجبت من أولاداً: طلبت والدة الرجل منه أن يطلق تلك المرأة بدون ذنب صدر منها، لا إلى زوجها، ولا إلى أم زوجها، رغم أن المرأة محبوبة إلى زوجها، والعكس، فماذا يفعل هذا الرجل: أن يطلق تلك المرأة خشية عقوق والدته، أم لا؟ .

فأجابوا:

يجب على الرجل المذكور أن يبرَّ أمَّه، وأن يحسن إليها قولاً، وفعلاً، قدر استطاعته، وإذا كانت زوجته المذكورة مرضيةً في دِينها وخلُقها: فلا يجب عليه طلاقها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣١) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

تعلم ما يحدث في المجتمع من قضية العصبية " هذا قبيلي , وهذا غير قبيلي " رجل تزوج من غير قبيلته، فغضب عليه أبوه , وقال: طلِّقها وإلا تنقطع الصلة بيني وبينك , فما رأيك؟

فأجاب:

إذا كانت هذه المرأة قد أعجبت الرجل في دينها وخلقها: فليستمسك بها , حتى وإن أمره أبوه بطلاقها فلا يسمع له، ولا يطيعه , ولا يعتبر معصيته في ذلك عقوقاً , بل إن الوالد هو الذي قطع الرحم , إذا قال: إن أبقيتها فإني أقطع صلتي بك: فهو القاطع للرحم، وقد قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمد/ ٢٢، ٢٣.

ولا شك أن محاولة التفريق بين المرء وزوجه من الإفساد في الأرض , ولهذا جعل الله ذلك من عمل السحرة , قال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) البقرة/ ١٠٢.

والسحرة مفسدون , كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) يونس/ ٨١.

فجعل السحرة من المفسدين، ومن أعظم سحرهم: التفريق بين الرجل وأهله , فهذا الأب الذي يحاول أن يفرق بين ابنه وزوجته , يكون فعله من جنس فعل السحرة , وهو من الفساد في الأرض , فيكون هذا الأب الذي يأمر ابنه بطلاق الزوجة وإلا قاطعه: يكون ممن قطع الرحم، وأفسد في الأرض , فيدخل في الآية: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) .

وأنا الآن أوجه نصيحتي إلى الابن وأقول: الزم زوجتك ما دامت قد أعجبتك في دينها وخلقها , ونصيحة أخرى إلى الأب وأقول: اتق الله في نفسك , ولا تفرق بين ابنك وأهله , فتقع في الإفساد في الأرض، وكذلك في قطع الرحم.

والابن نقول له: امضِ فيما أنت عليه , وسواء رضي أبوك أم لم يرضَ , وسواء قاطعك أم وصلك, ولكن إذا قُدِّر أنه نفذ وقاطع: فأنت اذهب إليه، وحاول أن تصله، فإذا أبى: فالإثم عليه وحده.

قد يقول بعض الناس: إن عمر رضي الله عنه أمر ابنه أن يطلق زوجته فطلقها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم , وأنا آمر ولدي فليطلق زوجته , نقول: إن هذه المسألة سئل عنها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: فجاءه رجل يقول: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي؟ فقال له: ولو أمرك لا تطلقها , وأظن الإمام أحمد سأله: هل هو راغب فيها أم لا؟ فلما أخبره بأنه راغب قال: لا تطلقها , قال: أليس عمر قد أمر ابنه أن يطلق زوجته فطلقها؟ قال: وهل أبوك عمر؟ عمر ما أمر ابنه أن يطلق امرأته بمجرد هوىً أو عصبية , لكن لأمر رأى أنه من المصلحة.

وخلاصة القول: أن للولد أن يبقي زوجته ما دامت قد أعجبته ديناً وخلقاً، سواء رضيت أمه أو أبوه أو لم يرضيا.

" لقاءات الباب المفتوح " (٧٢، السؤال ٧) .

وانظري جوابي السؤالين: (٤٤٩٢٣) و (٤٧٠٤٠) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>