للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

العمل في شركة تغش، وحكم العمل في شركة فيها أقسام مباحة وأخرى محرمة

[السُّؤَالُ]

ـ[يعمل في شركة وهذه الشركة تخلط الحرام بالحلال تبيع أشياء مسروقة وتغش فهل راتبه حلال؟ إذا ترك عمله فأي عمل آخر سيكون به محاذير شرعية فماذا يفعل؟ هل يستمر في عمله أم يتركه ويجوع أطفاله ولا يجد من يرعاهم؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

إذا كان عملك يتضمن معاونتهم بأي شكل من الأشكال في صورة من صور الغش أو السرقة فإنه لا يجوز، لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة /٢.

أما إذا كان عملك بعيدا عن أشكال المحرمات، ويوجد للشركة أقسام أخرى لا تتعامل بالحرام، فيجوز لك العمل في قسم المعاملات المباحة، بالشرط المذكور سابقا، وهو ألا يكون هناك إعانة على محرم.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

" لا يجوز العمل بالمؤسسات الربويَّة ولو كان الإنسان سائقاً أو حارساً؛ وذلك لأن دخوله في وظيفة عند مؤسسات ربويَّة يستلزم الرضى بها؛ لأن من أنكر شيئاً لا يمكن أن يعمل لمصلحته، فإذا عمل لمصلحته كان راضياً به، والراضي بالشيء المحرم يناله من إثمه.

أما من كان يباشر القيد والكتابة والإرسال والإيداع وما أشبه ذلك: فهو لا شك أنه مباشر للحرام، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، وقال: (هم سواء) . " فتاوى إسلامية " (٢ / ٤٠١) .

والواجب عليك هو الإنكار على القائمين على الأقسام المحرمة ونصحهم بترك هذه المعاملات، والواجب عليك أيضاً إذا استطعت أن تنصح المشترين وتبين لهم العيوب الموجودة بالسلع التي يشترونها.

أما مسألة عدم وجود عمل آخر، فهذا غير صحيح، وهو وسوسة من الشيطان، وقد قال الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) . فالأعمال المباحة كثيرة، فعليك بالثقة بالله تعالى، والتوكل عليه، واجتناب الحرام.

أما كون الأطفال يموتون جوعا، فنسألك: هل الأفضل أن يموتوا جوعا - هذا على فرض موتهم -؟ أم أن تدخل النار من أجلهم؟!

ثم إن الله تعالى هو الذي خلقهم، وهو الذي تكفل برزقهم، كما قال تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) ، وقال تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا) ، وقد كتب الله تعالى رزق كل إنسان قبل أن يخرج من بطن أمه، فلا تخش من ذي العرش إقلالاً، ولكن اخش من نفسك الأمارة بالسوء، أن تجرك إلى الفتن والمعاصي، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه الترمذي برقم (٦١٤) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.

ومعنى (يربو) أي يزيد وينمو.

و (سحت) أي: حرام.

وإليك هذه المواقف من سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله:

جاء إلى عمر بين عبد العزيز تفاحٌ لبيت مال المسلمين، فتناول ابنٌ له صغير تفاحةً منها، فانتزعها منه نزعاً شديداً، فذهب الولد إلى أمه يبكي، فأرسلت إلى السوق فاشترت له تفاحاً. فلما رجع عمر ودخل بيته وجد ريح التفاح، فقال: يا فاطمة، هل أخذت شيئاً من هذا المال؟ قالت: لا، وأخبرته أنها اشترت لابنها تفاحاً بمالها.

فقال عمر: والله، انتزعتها منه لكأنما انتزعتها من قلبي، لكن كرهت أن أضيع نفسي من الله بتفاحة من مال المسلمين.

"مناقب عمر بن عبد العزيز" لابن الجوزي (ص ١٩٠) .

ودخل عمر بن عبد العزيز على بناته بعد صلاة العشاء ليسلم عليهن، فلما أحسسنه وضعن أيديهن على أفواههن، وابتعدن عنه، فقال للحاضنة: ما شأنهن؟ فقالت: إنه لم يكن عندهن شيء يتعشينه إلا عدس وبصل، فكرهن أن تشم ذلك من أفواههن. فبكى عمر ثم قال لبناته: يا بناتي، ما ينفعكن أن تتعشين الألوان ويؤمر بأبيكن إلى النار. فبكين حتى علت أصواتهن.

"عمر بن عبد العزيز" للدكتور البرونو (١٤٢) .

وعوتب عمر بن عبد العزيز وهو يحتضر أنه ترك أولاده فقراء، فبعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه، ثم قال: أي بني، إن أباكم خُيِّر بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، وأن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمكم الله.

والله الموفق.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>