للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

كيف تعرف حال مَن تقدَّم لخطبتها؟

[السُّؤَالُ]

ـ[خُطبت أختي لشخص بدا عليه أول الأمر التدين والخلق الحسن، ولكن في مدة الخطبة اكتَشَفَت أن كل ذلك ليس إلا قشرة خارجية، ففضَّلت الانفصالَ عنه. والآن تقدم لخطبتها شاب يظهر عليه الالتزام أيضا، وهي لم يسبق لها رؤيته، ولعدم الوقوع في نفس الخطأ، فما هي الأسئلة التي من الواجب طرحها على الخاطب للتعرف عليه ومعرفة بواطنه لعدم الانخداع بمظهره؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

التحقق من الأهلية الخلقية والدينية في الخاطب أحد ركني الزواج الناجح، إلى جانب الركن الثاني الذي هو التوافق العاطفي والميل القلبي، ولعل صلاح الدين وحسن الخلق هو الركن الأهم؛ لأن الخلق والدين أساس كل علاقة ناجحة، وركن كل بيت سعيد، وإن خلا من تمام المحبة والعاطفة.

فينبغي ـ لذلك ـ الاهتمام بهذا الركن إلى الغاية الممكنة، والاستعانة بالله عز وجل في اختيار الأص-ح والأنفع.

ويمكننا أن نتأمل معك – أختنا السائلة – بعض الوسائل التي يستعان بها في تحقيق هذا الجانب:

١- سؤال أصحاب المتقدم وأصدقائه الملازمين له:

وهي أهم طريقة في تقديرنا للتوصل إلى تصور متكامل عن شخصية الخاطب، ولكن ينبغي التنبه إلى ضرورة كون الأسئلة التي توجه لهم أسئلةً محددةً وليست مجملةً، ونعني بذلك أن يكون السؤال عن كرمه - مثلا - بطلب تعيين تقديره بالنسبة لهذا الخُلق، وكذلك حين السؤال عن حلمه أو عن تسامحه أو غيرها من الأخلاق والصفات المحددة التي تهم الفتاة المخطوبة، وأما الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس هو أنهم يسألون عن الخاطب أسئلة مجملة، عن رأي أصدقائه فيه من حيث الإجمال، ولا يؤدي ذلك إلا إلى صورة مبهمة غالبا ما تؤثر فيها عاطفة الأصدقاء نحو بعضهم، فيبدأ بالثناء العام على صديقه، ولا تتوصل المخطوبة إلى تفاصيل الشخصية المتقدمة.

والتوسع في الجلوس مع أصدقائه، وطلب حكاية تفاصيل مواقفهم معه في حياتهم، وما تحمله ذكرياتهم عنه مهمٌّ أيضا، وذلك يعني ضرورة التأني في السؤال، وأخذ الفرصة الكافية للبحث عمن يملك الإجابات المقنعة التي جاءت بسبب الصحبة والعشرة، وليست فقط بسبب معرفة عامة أو جوار أو قرابة بعيدة.

بل إن النظر في أخلاق أصدقائه الملازمين له وإخوانه وأهل بيته مؤشر مهم على أخلاقه هو، فالمرء على دين خليله، والمثل القديم يقول: قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت.

ولكن لا ينبغي الاكتفاء بهذا المؤشر بدلا من السؤال المباشر.

وأنت خبيرة، أختنا الكريمة، أن الذي يقوم بهذه المهمة، ليست هي العروس، بل هو وليها، أو أحد الثقات الذين توكلهم في ذلك، من محارمها، ومن يعنيه أمرها من الثقات.

٢- التفتيش العملي عن حاله:

بالنظر في حضوره الجمع والجماعات، وحلق العلم، ومجالس الخير، والبحث عن إحسانه إلى الناس، ومشاركته لهم أفراحهم وأحزانهم، واختبار درجة حلمه وصبره بالمواقف العملية المباشرة معه إن أمكن ذلك من غير تكلف.

٣- مجالسته من قبل أولياء الفتاة والحديث معه: ليروا عن قرب طريقة تفكيره وسعة أفقه ودرجة ثقافته ورجاحة عقله واتزان منطقه.

وتطبيق هذه الوسائل يحتاج إلى شيء من الاجتهاد من قبل ولي أمر الفتاة، الذي تقع على كتفه عبء هذه المسؤولية بكاملها، أو من يثق فيه من أهل أو ولد؛ وهو إذا استشعر عظم المسؤولية التي يتحملها في اختيار الزوج المناسب لموليته، هانت عليه هذه المصاعب، وتحمَّلَ في سبيل أداءِ الأمانة تلك المتاعب.

أما الاكتفاء برؤية الخاطب محافظا على الصلوات في المساجد، أو متزينا بزينة الالتزام والوقار، فخطأ فادح يؤدي إلى الفشل، لأنهم سرعان ما يكتشفون أن كثيرا من الناس يهتمون بالمظاهر على حساب الحقائق والبواطن، ويلتفتون في تدينهم إلى أداء الفرائض دون الحرص على تنمية الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وهو مرض يعاني منه كثير من الناس اليوم.

يقول الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" (فتاوى النكاح/اختيار الزوج أو الزوجة) :

" مقدمة ونصيحة نوجهها إلى أولياء الأمور في تزويج النساء، إنه من المعلوم أن ولي المرأة يجب عليه أداء الأمانة، بحيث لا يزوجها مَنْ لا يرضى دينه حتى وإن رغبته المرأة؛ لأن المرأة قاصرة في عقلها وتفكيرها، فقد تختار لنفسها من لا يرضى دينه لإعجابها بصورته، أو لإعجابها بفصاحته أو تملقه أو ما أشبه ذلك، وفي هذه الحال لوليها أن يمنعها من نكاحها بهذا الخاطب " انتهى.

ويقول أيضا:

" التحري عن الشخص الخاطب واجب وجوباً مؤكداً، لا سيما في هذا الوقت الذي التبس فيه الطيب بالخبيث، وكثر فيه التزوير والوصف الكاذب، وكثر فيه شهادة الزور، فإنه قد يوجد من الخطّاب من يتظاهر بالصلاح والاستقامة وحسن الخلق وهو على خلاف ذلك، وقد يزوّرُ زيادة على مظهره، يزور على المخطوبة وأهلها بأنه مستقيم وذو خلق، وقد يؤيد من أهله على ما زور، وقد يأتي شاهد آخر من غير الأهل فيشهد له بالصلاح والاستقامة، فإذا حصل العقد تبين أن الأمر على خلاف ذلك في دينه وخلقه، ولهذا أرى أنه يجب التحري وجوباً مؤكداً، وأن يكون التحري بدقة، ولا يضر إذا تأخرت اإجابة عشرة أيام أو عشرين يوماً أو شهراً، ليكون الإنسان على بصيرة، فإذا تبين أن الخاطب على الوصف المرغوب فيه وأنه ممن يرضى دينه وخلقه فليزوج، ولا يجوز لأحد أن يعترض رغبة المخطوبة في مثل هذا الرجل بأي حجة كانت " انتهى.

نسأل الله تعالى لنا ولكم الهداية لأحسن الأخلاق والأعمال فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا وعنكم سيئ الأخلاق والأعمال فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا هو سبحانه وتعالى.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>