للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هي تحبه وهو لا يطيقها لعدم جمالها فهل يطلقها؟

[السُّؤَالُ]

ـ[تزوجتُ منذ سنتين من فتاة، كانت موافقتي على الارتباط هو أنها متدينة، وسعت لحفظ القرآن في فترة وجيزة، عندما رأيتها ليلة الخطوبة صدت نفسي منها، وذلك لأنها ليست جميلة، ولكني أجبرت نفسي على قبولها؛ لدينها، وصفاتها الأخرى الحسنة، المهم: تزوجنا، واكتشفت أنها عصبية المزاج، مما أثر على علاقتنا، وجعلني أبتعد عنها شعوريّاً أكثر، وصلتُ مرحلة أعتقد فيها أنني لا أحبها، وبدأت أهملها في الفراش، فتضررت من ذلك كثيراً، ولكنها تحبني، وأخشى إن طلقتها أن تتأثر كثيراً جدّاً، ندمت في نفسي كثيراً على الارتباط بها، وحزنت لأجلها كثيراً، ولكني لم أستطع أن أطيقها، ولا أريد أن تضيع عمرها مع من لا يحبها، أصبحت محتاراً، وأخشى ربي كثيراً أن يعاقبني لأنني تزوجتها، مع أنني لم أكن أرغب فيها، سمعت محاضرة من أحد المشايخ يقول: تزوجها لدينها حتى لو كانت غير جميلة، ما الحل بارك الله فيكم؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

سنقف أخي السائل مع رسالتك وقفات، نرجو منك الانتباه لما سنقوله:

١. أمر الله تعالى الأزواجَ بمعاشرة زوجاتهم بالمعروف، وبيَّن لهم تعالى أنه قد يقع منهم كراهية لهذه الزوجة، فليس عليه أن يباشر بتطليقها، بل يصبر عليها ويمسكها؛ لسببين:

الأول: أنه إن كرهَ منها خلُقاً فقد يكون لها أخلاقاً أخرى مرضيَّة، وهكذا يقال لمن كانت عنده امرأة جميلة لا يُعجبه خَلْقها أن نقول له: فارض بخُلُقِها، واجعل هذه الأخلاق سبباً في إمساكها والصبر عليها، فإنها التي تصلح لحفظ عرضك ومالِك، وهي التي تصلح لتربي لك أولادك.

والثاني: أن الله تعالى قد يجعل في صبره وتحمله له خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة، في الدنيا مثل الولد الصالح منها، وفي الآخرة كالثواب الجزيل على صبره وتحمله.

قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/١٩.

قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

عاشروهن بالمعروف وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهن على كُرهٍ منكم لهن خيراً كثيراً، مِن ولدٍ يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن.

" تفسير الطبري " (٨ / ١٢٢) .

وقال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً) ، أي: فعَسَى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن: فيه خير كثير لكم في الدنيا، والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح: (لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن سَخِطَ منها خُلُقا رَضِيَ منها آخر) .

" تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٤٣) .

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

فالواجب على كلٍّ مِن الزوجين أن يقوم بما أوجب الله عليه من العشرة الحسنة، وألا يتسلط الزوج على الزوجة لكونه أعلى منها، وكون أمرها بيده، وكذلك للزوجة لا يجوز أن تترفع على الزوج بل على كل منهما أن يعاشر الآخر بالمعروف، ومن المعلوم أنه قد يقع من الزوج كراهة للزوجة، إما لتقصيرها في حقه، أو لقصور في عقلها وذكائها، وما أشبه ذلك، فكيف يعامِل هذه المرأة؟ نقول: هذا موجود في القرآن، وفي السنّة، قال الله تبارك وتعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/١٩، وهذا هو الواقع، قد يكره الإنسان زوجته لسببٍ، ثم يصبر، فيجعل الله عز وجل في هذا خيراً كثيراً، تنقلب الكراهة إلى محبة، والسآمة إلى راحة، وهكذا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرَك مؤمن مؤمنة - يعني: لا يبغضها، ولا يكرهها - إن كرهَ منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) ، انظر المقابلة، الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه الله الحكمة، (إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) هل أحد يتم له مراده في هذه الدنيا؟ لا، أبداً، لا يتم مرادك في هذه الدنيا، وإن تم في شيء: نقص في شيء، حتى الأيام، يقول الله عز وجل: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) آل عمران/١٤٠، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي:

ويوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَرّ

وجرب هذا تجد، لا تبقى الدنيا على حال واحد، ومن الأمثال السائرة: " دوام الحال من المحال "، فإذا كرهت من زوجك شيئاً: فقابله بما يرضيك حتى تقتنع.

" لقاءات الباب المفتوح " (مقدمة الجزء ١٥٩)

٢. واعلم أخي السائل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن الجمال مما تُنكح المرأة من أجله، لكنه صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى ما هو خير وأفضل، وهو الزواج بذات الدِّين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) .

رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .

قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله (ولدِينِها) لأنه به يحصل خير الدنيا والآخرة، واللائق بأرباب الديانات وذوي المروآت أن يكون الدِّين مطمح نظرهم في كل شيء، ولا سيما فيما يدوم أمره، ولذلك اختاره الرسول بآكد وجهٍ وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية، فلذلك قال (فاظفر بذات الدين) فإن بها تكتسب منافع الدارين، تربت يداك إن لم تفعل ما أمرت به، وقال الكرماني: فاظفر جزاء شرط محذوف، أي: إذا تحققت تفصيلها فاظفر أيها المسترشد بها.

واختلفوا في معنى (تربت يداك) فقيل: هو دعاء في الأصل إلا أن العرب تستعملها للإنكار والتعجب والتعظيم والحث على الشيء، وهذا هو المراد به ههنا.

وفيه الترغيب في صحبة أهل الدين في كل شيء؛ لأن مَن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم.

" عمدة القاري شرح صحيح البخاري " (٢٠ / ٨٦) .

٣. واعلم أن الجمال الحقيقي هو جمال الباطن، وأن الجمال الدنيوي في الشكل الظاهر عرضة للزوال، إما بأمراض أو حروق، أو كبَرٍ في السن، فيبحث الإنسان العاقل عن جمالٍ لا يزول، بل يزداد ولا ينقص، يزداد بالإيمان والطاعة، ويظهر أثر هذا الجمال على المرأة في خلقها وحسن تبعلها لزوجها وعلى حسن تربيتها لأولادها.

٠٤ واعلم أن الله تعالى قد سمَّى ما بين الزوجين " مودة " و " رحمة " ولم يسمِّه حبّاً، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم/٢١، وهذا هو الواقع أصلاً في حياة الشرفاء العقلاء، فإن الراغب في النكاح يسمع عن المرأة تصلح للزواج فيأتي لخطبتها فيُعجب بجمالها أو دينها أو حيائها، فيتزوجها، ولا يقال هنا إنه تزوجها عن حبٍّ، ولا سمى الله تعالى ما يجعله بينهما حبّاً، وليس في هذا إنكارٌ للفظة ووجودها، بل تنبيه على أمرٍ غاية في الأهمية، وهو أن الزواج شُرع لمقاصد كثيرة، كإعفاف النفس، وإقامة الأسرة المسلمة، وإنجاب الذرية.

ولذا فإنه قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاءه رجل يريد تطليق امرأته، فلما سأله عمر عن السبب: قال: إنه لا يحبها! فردَّ عليه عمر رضي الله عنه: " وهل لا تُبنى البيوت إلا على الحب؟! ".

وقال عمر – أيضاً - لامرأة سألها زوجُها: هل تبغضه؟ فقالت: نعم، فقال لها عمر: " فلتكذب إحداكن، ولتجمل، فليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن معاشرة على الأحساب، والإسلام ".

فتأمل في هذا أخي الفاضل، وانظر في مآسي الذين تزوجوا الجميلات من غير دين كيف هي حياتهم، وما فيها من بؤس وشقاء وشكوك وريَبٍ، وانظر في سعادة وهناء من تزوجوا ذوات الدِّين كيف هي حياتهم، وكيف يتربى أولادهم.

٥. ويمكن لك أن تتزوج زوجة ثانية، وتُبقي هذه الزوجة في عصمتك، وأنت مخيَّر بين أمرين:

الأول: أن تعطيها حقَّها كاملاً، وأن تقسم لها كما تقسم للزوجة الثانية، وهو من العشرة بالمعروف الواجبة عليك، كما ذكرناه لك في أول الجواب، وكما هو معلوم من تحريم الظلم عموماً، وخصوصاً فيما بين الزوجات.

والثاني: أن تصالح زوجتك على أن تتنازل عن بعض حقها في القسْم، وتبقيها في عصمتك، ترعاها وتراها، وتدخل عليها وتمكث عندها، تربي لك ولدك، وتحفظ لك عرضك ومالك، وقد يكون مع المدة تغيير في شعورك تجاهها، فتقسم لها كما تقسم للزوجة الثانية، وهذا الصلح مذكور في كتاب الله تعالى، وفي السنَّة النبوية، وفي كلام أهل العلم.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنْ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ: كِبَرًا، أَوْ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا، فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ، قَالَتْ: فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا.

رواه البخاري (٢٥٤٨) ومسلم (٣٠٢١) وفي لفظ له:

قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ، وَوَلَدٌ فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

انتهى

قال ابن القيم - رحمه الله -:

الرجل إذا قضى وطراً من امرأته، وكرهتها نفسه، أو عجز عن حقوقها: فله أن يطلقها، وله أن يخيرها، إن شاءت أقامت عنده، ولا حق لها في القسْم، والوطء، والنفقة، أو في بعض ذلك، بحسب ما يصطلحان عليه، فإن رضيت بذلك: لزم، وليس لها المطالبة به بعد الرضى، هذا موجب السنة ومقتضاها، وهو الصواب الذي لا يسوغ غيره.

" زاد المعاد " (٥ / ١٥٢) .

٥. فإذا لم تستطع الصبر على إبقائها في عصمتك معاشراً لها بالمعروف، ولم تستطع الزواج عليها، أو أنها رفضت الصلح: فلم يبق لك إلا الخيار الأخير، وهو تطليقها وتسريحها بإحسان، فتعطيها كامل حقوقها، ولعلَّ الله أن يختار لك خيراً منها، ويختار لها خيراً منك.

قال تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً) النساء/١٣٠.

والطلاق مباح في هذه الحالة، ليس محرَّماً ولا مكروهاً؛ لكن آخر الدواء الكي، كما يقال.

وفي " الموسوعة الفقهية " (٢٩ / ٩) :

ويكون مباحاً عند الحاجة إليه لدفع سوء خلق المرأة وسوء عشرتها، أو لأنّه لا يحبّها.

انتهى

ونسأل الله تعالى أن يختار لك ولها الخير، وأن يوفقكما لما فيه رضاه، وأن يصلح أحوالكما وقلوبكما.

والله الموفق

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>