للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

شراء المنزل الكبير الواسع متى يكون إسرافا؟

[السُّؤَالُ]

ـ[زوجتي دائماً ما تصر على أن أشتري منزلاً كبيراً، وبه مسبح، وحديقة، وأنا أُصر على أن نسكن بيتاً صغيراً (مثلا ٣ غرف نوم) بدون المتع الزائدة والرفاهية كالمسبح والحديقة، فما العمل؟ أنا لا أستطيع إرغامها على الزهد، وأيضا بحكم أني زوجها لا مفر من بقائنا مع بعضنا البعض، وأعلم أن عدم الزهد ليس مبررا للطلاق، ولكني - يا شيخنا الفاضل - لا أريد الانغماس في الدنيا، فما العمل؟ وهل إن اشتريت بيتاً جديداً بما تريده هي أؤجر؟ علما بأني لا أمانع بالعيش في بيت صغير، ولست أريد إلا سقفا يؤويني وأهلي، وهل يقع عليَّ القول ممن أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

لا ينبغي للمسلم أن يجعل الدنيا أكبر همِّه، وليس الفقر هو ما خشيه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، بل خشي انفتاح الدنيا والتنافس فيها، فهنا تكون الهلكة.

عن عمرو بن عوف قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) .

رواه البخاري (٢٩٨٨) ومسلم (٢٩٦١) .

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في فوائد هذا الحديث -:

وفيه: أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين.

" فتح الباري " (٦ / ٢٦٣) .

وقال:

قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها، وشرِّ فتنتها، فلا يطمئن إلى زخرفها، ولا ينافس غيره.

" فتح الباري " (١١ / ٢٤٥) .

ومن أشغلته دنياه عن أخراه فهو مغبون، والدنيا لعب، ليس فيها مستمر ولا كامل، والآخرة خير وأبقى، وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلاً بالنبات الذي ينمو ويزهر، ثم لا يلبث حتى يصبح هشيماً تذروه الرياح، فلا بقاء ولا استمرار للإنسان في الدنيا، لذلك يجب أن يضع الآخرة نصب عينيه.

قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد/ ٢٠.

وقال عز وجل: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) الكهف/ ٤٥، ٤٦.

ثانياً:

ومما يبين أن الناس قد يهلكون بالتنافس على الدنيا: شراؤهم بيوتهم بالقروض الربوية! فيعرض الواحد نفسه لسخط الله ومقته من أجل أن ينافس غيره على بناء بيت، أو على تزويقه، وتوسيعه، وهؤلاء قد يدخلون في الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا؛ لأنهم فعلوا ما نهاهم الله عنه تمتعاً به والتذاداً، وأما من بنى بيتاً أو اشتراه بمال حلال وتمتع به: فلا يكون من أولئك.

وقد ذكرنا حرمة شراء المنازل عن طريق البنوك الربوية في أجوبة الأسئلة: (٢١٢٨) و (٢١٩١٤) و (٢٢٩٠٥) فلتنظر.

ثالثاً:

ومن هنا نعلم أنه ليس ثمة أجر على بناء البيوت لذاتها، وإلا لصار الأغنياء الذين يبنون القصور بعشرات الملايين من أصحاب الدرجات العليا في الجنة! فالدينار الذي ينفقه المسلم على بناء بيته ليس له ما يقابله من الأجر في الآخرة، وعسى المرء أن يسلم من الإثم، فإن أُجر فإنما يؤجر على نيته في الحفاظ على أسرته وأهل بيته من الضياع، وعلى إيوائهم في مسكن يحفظ كرامتهم وأعراضهم، وأما على ذات البناء فليس ثمة أجر، وهو معرض للإثم والعقوبة في حال الإسراف، وقصد التفاخر والتباهي.

وقد خرَّج علماء اللجنة الدائمة أحاديث في ذم البناء، ثم قالوا بعدها:

هذه الأحاديث وما جاء في معناها: منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما ليس بصحيح، فما كان منها حجة: فهو محمول على ذم من فعل ذلك للتباهي، والإسراف، والتبذير، فإن هذا يختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص، والأمكنة، والأزمنة، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن علامات الساعة: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان) ، قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: " والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم، حتى يتباهون بطول البنيان، وزخرفته، وإتقانه "، وذكر النووي هذا المنى في " شرح صحيح مسلم "، حينما تكلم على هذا الحديث.

أما إذا طال البنيان لغرض شرعي، كتوفير المرافق والمساكن للمحتاجين، أو لاتخاذها سبيلاً للكسب، أو لكثرة مَن يعول، ونحو ذلك: فلا شيء في ذلك فيما يظهر لنا؛ فإن الأمور بمقاصدها، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه.

الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٤٩٠) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ذُكر لنا أن كل عمل ابن آدم يؤجر عليه إلا بناء المسكن، فهل هذا صحيح؟ فإذا كان صحيحاً فما العلة؟ وما السبب؟ ، مع ذكر الحديث الذي ورد في ذلك، جزاكم الله خير الجزاء؟ .

فأجاب:

نعم، هذا ورد في الإنسان الذي يصرف ماله في الطين، أي: في البناء الذي لا يحتاج إليه، وأما البناء الذي يحتاج إليه: فإنه من ضروريات الحياة، والإنسان إذا أنفق على نفسه ما هو من ضروريات الحياة: فإنه يؤجر على ذلك إذا أنفقه يبتغي به وجه الله عز وجل؛ لكن المفاخرة والتطاول في البنيان هو الذي لا خير فيه، بل ليس فيه إلا إضاعة المال، أما ما يبنيه الإنسان لحاجته: فإنه يؤجر على ذلك، إذا ابتغى به وجه الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك) .

" اللقاء الشهري " (١٥ / السؤال رقم ٦) .

وتنظر الأحاديث وأقوال بعض العلماء في المسألة في جواب السؤال رقم (٢١٦٥٨) .

رابعاً:

وبه تعلم حكم بناء البيت الذي تود زوجتك أن تشتريه لهم، ونلخص لك ذلك في نقاط:

١. لا يجوز شراء البيت من مصادر محرَّمة، كالقروض الربوية، وأموال الغصب.

٢. ليس ثمة أجر على مجرد بناء البيت، إلا أن يقصد صاحبه إيواء أهل بيته، وحفظهم من الحر والبرد، فيؤجر على نيته، لا على ذاته بيته.

٣. لا يجوز للمسلم بناء بيت أو شرائه بقصد التباهي والتفاخر، فإن فعل ذلك: أَثم.

٤. لا مانع من أن يشتمل البيت على بركة سباحة، أو حديقة، لكن على أن يكون ذلك من غير إسراف ومبالغة في حجمهما وأثمانهما، والبيت الواسع من السعادة لصاحبه.

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَرْبَعٌ مِنَ اَلسعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الوَاسِعُ، وَاَلجَارََُُّ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ اَلهَنِيءُ، وَأَرْبَغ مِنَ اَلشًقَاوَةِ: اَلْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ اَلسُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ اَلضيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ) .

رواه ابن حبان في " صحيحه " (١٢٣٢) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٢) ، و" صحيح الترغيب " (١٩١٤) .

قال المناوي – رحمه الله -:

(والمسكن الواسع) أي: الكثير المرافق بالنسبة لساكنه، ويختلف سعته حينئذ باختلاف الأشخاص، فرب واسع لرجل ضيِّق على آخر، وعكسه.

" فيض القدير " (٣ / ٣٠٢) .

٥. تكلفة البناء، وسعر الشراء يُرجع في ضابط كونه إسرافاً أم لا إلى حال صاحبه، فمن كانت ثروته (١٠٠) مليون ريال – مثلاً – لا يعد مسرفاً – ولا مبذراً من باب أولى – إذا بنى بيتاً أو اشتراه بقيمة (٢) مليون ريال، ومن كانت ثروته هي في راتبه الذي يقبضه كل شهر: فإنه يعد مسرفاً إذا تجاوز الحد في البناء أو الشراء.

فالمسرف من أصحاب البيوت: من تجاوز المقدار المعقول، فزاد في الطوابق، أو الغرف من غير حاجة، والمبذِّر منهم: هو من بنى لغير حاجة، أو صرف ماله في البناء لعباً وتساهلاً بالمال.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

رجل اشترى منزلاً باثنين مليون ريال , ثم أثثه بستمائة ألف , وبعد ذلك اشترى سيارة بثلاثمائة ألف ريال , فهل هذا الرجل يعتبر مسرفاً ومبذِّراً؟ وما حكم التحف في البيوت؟ أفيدونا، جزاكم الله خيراً.

فأجاب:

الإسراف: هو مجاوزة الحدِّ , وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أنه لا يحب المسرفين , وإذا قلنا: إن الإسراف مجاوزة الحد: صار الإسراف يختلف , فقد يكون هذا الشيء إسرافاً بالنسبة لفلان , وغير إسراف بالنسبة لفلان , فهذا الذي اشترى بيتاً بمليونين من الريالات، وأثثه بستمائة ألف، واشترى سيارة: إذا كان غنيّاً: فليس مسرفاً؛ لأن هذا سهل بالنسبة للأغنياء الكبار , أما إذا كان ليس غنيّاً: فإنه يعتبر مسرفاً , سواء كان من أوساط الناس، أو من الفقراء؛ لأن بعض الفقراء يريد أن يكمِّل نفسه , فتجده يشتري هذه القصور الكبيرة , ويؤثثها بهذا الأثاث البالغ، وربما يكون قد استدان بعضها من الناس , فهذا خطأ.

فالأقسام ثلاثة: الأول: غني واسع الغنى , فنقول: إنه - في وقتنا الحاضر، ولا نقول في كل وقت -: إذا اشترى بيتاً بمليونين ريال، وأثثه بستمائة ألف ريال، واشترى سيارة , فليس بمسرف.

الثاني: الوسط , فيعتبر هذا بحقه إسرافاً.

الثالث: الفقير , فيعتبر في حقه سفهاً؛ لأنه كيف يستدين ليكمل شيئاً ليس بحاجة إليه؟! .

" لقاءات الباب المفتوح " (١٠٧ / السؤال رقم ٤) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>