للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

رأت منكرات على أم زوجها فهل تأثم بإخبار زوجها؟ وكيف يتصرف معها؟

[السُّؤَالُ]

ـ[أريد طرح سؤال، وأتمنى الرد على بريدي الالكتروني، أم زوجي امرأة مطلقة، وفاسقة، فهي تجمع عندها بنات ساقطات، تتركهم يخرجون ليلاً مع بناتها بلباس عاري، وهي تفعل هذا أمامي، ترددت كثيراً في إخبار زوجي، لكنني لم أتحمل نظرات الناس لي ولزوجي، عندما آتي عندهم أحس بالإحراج؛ لأن زوجي يظهر كالمغفل، فقررت إخباره بالقليل تفادياً لإحراجه، فقال: إنه يعرف القليل، وقد سبق وأنذرها، لكنها لم تبالي، وهو يشعر بالخجل عندما يذهب عندها، فقرر أن يقطع هذه الصلة، فهل عليه إثم أو ذنب في ذلك؟ وهل أنا عليَّ ذنب لأني أخبرته؟ . أرجو منكم الرد قريبا، ولكم مني جزيل الشكر.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

لستِ آثمة في إخبار زوجك بتصرفات والدته وبناتها، وهذا هو الذي أوجبه الله تعالى عليكِ؛ لأن ما رأيتيه من تصرفاتها منكر وفحش، لا بدَّ من إنكاره، والسعي في تغييره، إما بنفسه، أو بالاستعانة بغيره ممن يقدر على الإنكار أو التغيير.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) .

رواه مسلم (٤٩) .

قال النووي رحمه الله:

قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغيِّر أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولاً كان، أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع الغصوب – أي: الأشياء المغصوبة - ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا أمكنه ... .وإن وجد مَن يستعين به على ذلك: استعان.

" شرح مسلم " (٢ / ٢٥) .

ثانياً:

الواجب على زوجكِ أن ينكر منكر أمه، وأن يبذل جهده في تغييره، ويبدأ الإنكار على والدته برفق، فصاحب المعصية في غفلة، وجهالة، ويحتاج لمن يترفق به ليدله على قبح فعله، وشناعة معصيته، وإذا كان الرفق مطلوباً مع الآخرين أن يُبذل لهم فإنه مع الوالدة يكون أشد طلباً، فإن نفع الرفق فهو خير، وإلا جاز له استعمال الغلظة والشدة، إذا رأى نفعها.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم " فليغيِّره ": فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: الكتاب، والسنَّة، وإجماع الأمة، وهو - أيضاً - من النصيحة التي هي الدِّين.

" شرح مسلم " (٢ / ٢٢) .

وقال رحمه الله:

قال القاضي عياض رحمه الله: ويرفق في التغيير جهده، بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شرُّه؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح، والفضل لهذا المعنى.

ويغلظ على المتمادي في غيِّه، والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه، منكراً أشد مما غيره؛ لكون جانبه محميّاً عن سطوة الظالم.

فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبِّب منكراً أشد منه: من قتله، أو قتل غيره، بسبب كف يده: اقتصر على القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبِّب قوله مثل ذلك: غيَّر بقلبِه، وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله تعالى، وإن وجد مَن يستعين به على ذلك: استعان.

" شرح مسلم " (٢ / ٢٥) .

وسئل علماء اللجنة الدائمة:

حديث " تغيير المنكر " هل المقصود لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر، أم نظل، ونكرهه، وننكره بقلوبنا؟ .

فأجابوا:

المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده، كولي الأمر، ومن ينوب عنه، ممن أعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده، والسيد مع عبده، والزوج مع زوجته؛ إن لم يكُف مرتكب المنكر إلا بذلك، ومنهم مَن يجب عليه إنكاره بالنصح، والإرشاد، والنهي، والزجر، والدعوة بالتي هي أحسن، دون اليد، والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن، وانتشار الفوضى، ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذاً، ولساناً، وهذا أضعف الإيمان، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله: (مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة: بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٣٣٥) .

فأنتِ ترين من كلام العلماء أن على المنكِر، والراغب بتغيير المنكر أن يسلك الطرق الحكيمة في ذلك، فيرغِّب حيث ينفع الترغيب، ويرهِّب حيث يُجدي الترهيب، ويستعمل لسانه في حال، ويده في حال، والمنكَر الذي يراه الولد على أمه وأبيه ليس مثل أن يراه على ابنه أو ابنته، فهو في الحال الثانية يملك أن يباشر التغيير باليد، بخلاف حاله مع أمه وأبيه.

وتبين لنا – أيضاً – أنه لا مانع من أن يبقى زوجكِ على علاقة مع أمه حتى لو استمرت على فعل المنكر إن رأى أن في ذلك مصلحة شرعية، كما لو كان في بقائه معها ما يدعوها إلى ترك المنكر، أو التقليل منه، ولا يبدأ بالهجر؛ لأن الهجر لا يراد لذاته في الشرع، بل لما يؤدي إليه من نفع وفائدة للمهجور، أو من خطر على الهاجر، فإن رأى زوجكِ أن بقاءه على علاقة مع أمه فيه نفع لها، أو كف لشرٍّ أكبر: بقي معها، ولم يهجرها، وإن رأى خطراً على حياته وحياة أسرته وأولاده، أو دينه، أو عرضه، هو وأسرته، من تلك العلاقة، ولم ير نفعاً لها لقربه منها: جاز له الهجر حفاظاً على دينه، وعلى دين أسرته.

ثالثاً:

منكر البنات هو أيضاً مما يجب على زوجك أن ينكره عليهن، وأن يسعى في تغييره، وليستعن على ذلك بربه تعالى أن يوفقه لهذا، وليستعن بأشقائه، أو بأحدٍ من أقربائه عليهن، وليعلموا أنه يجب عليهم جميعاً السعي لكفهنَّ عن الخروج والتبرج وصحبة الفاسقات، وإذا لم ينفع التلطف في الإنكار والتغيير: جاز لهم حبس الأم وبناتها في البيت، وجاز لهم تقييدهن جميعاً، مع البر والإحسان إليهن بالطعام والكسوة، وهذا الفعل قد يستطيعه أناس وقد يكون مستحيلاً على آخرين، ويمكن أن لا يترتب عليه شيء في بلد، ويترتب عليه أشياء كثيرة تضر بهم في بلد آخر، فليقدروا ذلك، وإنما أردنا بيان جواز ذلك، فإن رأوا قدرتهم على ذلك، وعدم ترتب مفسدة عليه: فليبادروا لفعله.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:

عن امرأة مزوجة بزوج كامل، ولها أولاد، فتعلقت بشخص من الأطراف أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها: سعت في مفارقة الزوج، فهل بقي لها حق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرّاً؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟ .

فأجاب:

الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات، فان لم تمتنع إلا بالحبس: حبسوها، وإن احتاجت إلى القيد: قيدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمَّه، وأما برُّها: فليس لهم أن يمنعوها برَّها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء، بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتل ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك.

" مجموع الفتاوى " (٣٤ / ١٧٧، ١٧٨) .

وانظري أجوبة الأسئلة: (١٠٠٨١) و (١١٤٠٣) و (٣٣٧٥٧) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>