للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

حكم تناول المخدرات وهل تأخذ أحكام الخمر؟

[السُّؤَالُ]

ـ[زادت مؤخرا ظاهرة تناول المخدرات وخاصة الحشيش، ظنا من الناس أنها ليست خمرا تخامر العقل.

سؤالي: هل هي فعلا من الخمر؟ وهل إذا شرب المرء الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوما؟ وبالتالي ما صحة صوم من يشرب الحشيش في رمضان؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

لا شك في تحريم تناول المخدرات، من الحشيش والأفيون والكوكايين والمورفين وغير ذلك، لوجوه عديدة، منها:

١- أنها تغيّب العقل وتخامره، أي تغطيه، وما كان كذلك فهو حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة) رواه مسلم (٢٠٠٣) .

وروى البخاري (٤٠٨٧) ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ مِنْ الشَّعِيرِ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ، فَقَالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .

وروى البخاري (٤٣٤٣) ومسلم (٣٠٣٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت عمر رضي الله عنه على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل) .

ولا شك أن المخدرات تخامر العقل وتغيبه.

قال الحافظ ابن حجر: " واستُدل بمطلق قوله: (كل مسكر حرام) على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة؛ لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة، والمداومة عليها والانهماك فيها.

وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود (النهي عن كل مسكر ومفتّر) والله أعلم " انتهى من "فتح الباري" (١٠/٤٥) .

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُفْتِر كُلّ شَرَاب يُورِث الْفُتُور وَالرَّخْوَة فِي الأَعْضَاء وَالْخَدَرَ فِي الأَطْرَاف وَهُوَ مُقَدِّمَة السُّكْر , وَنَهَى عَنْ شُرْبه لِئَلا يَكُون ذَرِيعَة إِلَى السُّكْر.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين. وأما تعاطي البنج الذي لم يسكر، ولم يغيب العقل ففيه التعزير.

وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها (أي الحشيشة) مسكرة، وإنما يتناولها الفجار، لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور واللذة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة، وما توجبه من الدياثة: مما يجعلها من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار.

وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب: ثمانون سوطا، أو أربعون. إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣/٤٢٣) .

وقال في "السياسة الشرعية" (ص٩٢) : " والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا يُجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد. والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة. وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد، حيث ظنها تغير العقل من غير طربٍ بمنزلة البنج. ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما، وليس كذلك بل آكلوها ينشَون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر، وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها، مع ما فيها من المفاسد الأخرى من الدياثة والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك. ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة، وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل: لا؛ لجمودها. وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها.

وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا أو معنى. قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمِزر وهو من الذرة والشعير حتى يشتد قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه فقال: (كل مسكر حرام) متفق عليه في الصحيحين " انتهى.

وقال أيضا: " فكيف المصر على أكل الحشيشة، لا سيما إن كان مستحلا للمسكر منها، كما عليه طائفة من الناس، فإن مثل هذا ينبغي أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، إذ السكر منها حرام بالإجماع، واستحلال ذلك كفر بلا نزاع " انتهى "الفتاوى الكبرى" (٢/٣٠٩) .

٢- أن فيها من الأضرار العظيمة ما قد يكون أعظم من الضرر الحاصل بشرب الخمر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه (٢٣٤١) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

" ففيها ضرر بالشخص ذاته، وبأسرته وأولاده، وبمجتمعه وأمته.

أما الضرر الشخصي: فهو التأثير الفادح في الجسد والعقل معا؛ لما في المسكر والمخدر من تخريب وتدمير الصحة والأعصاب والعقل والفكر ومختلف أعضاء جهاز الهضم وغير ذلك من المضار والمفاسد التي تفتك بالبدن كله، بل وبالاعتبار الآدمي والكرامة الإنسانية، حيث تهتز شخصية الإنسان، ويصبح موضع الهزء والسخرية، وفريسة الأمراض المتعددة.

وأما الضرر العائلي: فهو ما يلحق بالزوجة والأولاد من إساءات، فينقلب البيت جحيما لا يطاق من جراء التوترات العصبية والهيجان والسب والشتم وترداد عبارات الطلاق والحرام، والتكسير والإرباك، وإهمال الزوجة والتقصير في الإنفاق على المنزل، وقد تؤدي المسكرات والمخدرات إلى إنجاب أولاد معاقين متخلفين عقليا. . .

وأما الضرر العام: فهو واضح في إتلاف أموال طائلة من غير مردود نفعي، وفي تعطيل المصالح والأعمال، والتقصير في أداء الواجبات، والإخلال بالأمانات العامة، سواء بمصالح الدولة أو المؤسسات أو المعامل أو الأفراد. هذا فضلا عما يؤدي إليه السكر أو التخدير من ارتكاب الجرائم على الأشخاص والأموال والأعراض، بل إن ضرر المخدرات أشد من ضرر المسكرات؛ لأن المخدرات تفسد القيم الخلقية " انتهى من "الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبة الزحيلي (٧/٥٥١١) .

والحاصل أن هذه المخدرات لا يستريب في حرمتها عاقل، لدلالة النصوص على تحريمها، ولما فيها من أضرار بالغة.

وأما العقوبة اللازمة لمتعاطي المخدرات: فهي أن يحد حد الخمر، كما سبق في كلام شيخ الإسلام عن الحشيشة، فالمخدرات داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا أو معنى.

والواجب على العلماء والدعاة أن يبينوا للناس تحريم هذه المخدرات، والمضار العظيمة المترتبة عليها.

وأما سؤالك عن شارب الخمر وما جاء في عدم قبول صلاته أربعين يوما، وعن حكم صيامه، فقد سبق بيانه في جواب السؤال رقم (٢٠٠٣٧) و (٢٧١٤٣) .

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>