للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ادعى أنه زنى بامرأة وكان كاذباً

[السُّؤَالُ]

ـ[أنا أعاني حالة من العذاب الشديد بسبب ذنب ارتكبته في الماضي ولا أعلم كيف أتخلّص منه، وحياتي تحولت إلى جحيم بسبب هذا الموضوع.

قبل خمس سنوات كنت أعيش حالة من الفراغ الديني، وكنت مبتعداً عن الله بشكل كبير جداً، وأنا لدي ابن عم هو الصديق الوحيد لي في هذه الدنيا.

في أحد الأيام ضحك عليّ الشيطان وقمت بإخباره أن لي علاقة محرّمة مع بعض الفتيات، وأنا في الأساس ليس لي أي علاقة بهن. ولم أكن أعلم عقوبة هذا الذنب وللأسف كنت أعتقد أن الرجولة هي أن تكون لك علاقات مع النساء مثل ما يعتقد أغلب شبابنا اليوم.

ولم يعلم أحد بهذا الموضوع ولم يصل إلى النساء شيء.

وفي رمضان العام الماضي تبت إلى الله وكانت لي علاقة مع بعض النساء عن طريق الهاتف والإنترنت فقمت بإخبارهن بتوبتي وقطعت علاقتي المحرمة معهن، وشعرت بحلاوة الإيمان التي لم أشعر بها من قبل.

ولكن ما زلت أتذكر ذنبي الذي مضى عليه سنوات، والأمر يتعلق بأعراض ناس. واستخرت وفكرت كثيراً وما زلت متردداً. هل أخبر صاحبي بأني كذبت عليه حتى أثبت له براءة هؤلاء النساء مما قلته، وفي هذه الحالة قد أخسر صديقي الوحيد إذا رأى أنني كذبت عليه، أو أسكت ولا أتكلّم؟ ولكن أخشى عقوبة الله على هذه المعصية فماذا أفعل؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يغفر ذنبك، ويستر عيبك، ويجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، أما مسألتك فيتضح الجواب عنها ببيان الأمور التالية:

أولا: يظهر من سؤالك أن من قذفتها بعمل الحرام معها هي امرأة معينة، تعرفها أنت ويعرفها ابن عمك، فإن كانت امرأة معينة معروفة، فهذا قذف منك لها، وهو من الكبائر المحرمة، والذنوب القبيحة، إذ إنه طعن في الأعراض، وانتهاك لما حرم الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) رواه البخاري برقم ٢٦١٥، ومسلم برقم ٨٩

وكما أنه قذف لتلك المرأة فهو إقرار على نفسك بالزنا، حتى وإن كنت كاذبا.

أما إن كانت المرأة غير معينة، أي إنك قلت: فعلت مع امرأة، وليست هذه المرأة معينة، فهذا لا يعتبر قذفا لأحد، لكنه إقرار على نفسك بالزنا تستوجب معه الحد، ويجب عليك أن تنفيه عن نفسك.

قال في بدائع الصنائع: " لو قال: زنيت بامرأة ولا أعرفها، صح إقراره ويحد " بدائع الصنائع ٧/٥١

ثانيا: إذا كان تلك المرأة معينة، وقد تبت وندمت على ما فعلت فإن توبتك أن تكذب نفسك، فيلزمك أن تخبر ابن عمك بأنك غير صادق فيما قلته، لأنه لا بد أن تبرئ ساحة تلك المرأة العفيفة، ولا يحل لك أبدا أن تقدم صداقة ابن عمك على هتك عرض مسلمة.

قال ابن قدامة في "المغني":

ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ إكْذَابُ نَفْسِهِ , فَيَقُولُ: كَذَبْت فِيمَا قُلْت. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , وَعَطَاءٌ , وَطَاوُسٌ , وَالشَّعْبِيُّ , وَإِسْحَاقُ , وَأَبُو عُبَيْدٍ , وَأَبُو ثَوْرٍ اهـ باختصار.

وروى عبد الرزاق في "المصنف" (٥/٧٧) عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: تَوْبَتُهُ (يعني من اتهم أحداً بالزنى) أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ.

ثالثا: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس) رواه الترمذي برقم ٢٤١٤ وصححه الألباني، فهذا الحديث يدلك على أن ما تخافه من سوء العلاقة بينك وبين ابن عمك أمر هين، فإن من أطاع الله تعالى وأرضاه، فإن الله يكفيه الناس، فاحرص على علاقتك بربك أكثر من حرصك على علاقتك بابن عمك، واعلم أن هذا من الابتلاء الذي يختبرك الله به، فاقدم على الحق، وتوكل على الله، ولا تخش فيه لومة لائم، وأكثر من الاستغفار والتوبة ودعاء الله عز وجل أن يوفقك لقول الحق، وأن يؤلف بينك وبين ابن عمك، فإن قلوب العباد بين أصعبين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>