للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

في أي إصبع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتمه؟

[السُّؤَالُ]

ـ[ما الأصبع الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضع فيه خاتمه؟ في حد علمي أرى أنه السبابة فهل هذا صحيح؟ جزاكم الله خيرا؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

اختلف الفقهاء رحمهم الله في موضع لبس الخاتم، هل هو اليد اليمنى أم اليسرى، وذلك على قولين:

القول الأول: اختيار اليسرى، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.

جاء في " رد المحتار " (٥/٢٣٠) من كتب الحنفية:

" (في يده اليسرى) وينبغي أن يكون في خنصرها دون سائر أصابعه، ودون اليمنى. عبارة القهستاني عن المحيط: جاز أن يجعله في اليمنى، إلا أنه شعار الروافض " انتهى باختصار.

وجاء في " حاشية العدوي على كفاية الطالب " (٢/٣٦٠) من كتب المالكية:

" الاختيار عند الجمهور منهم مالك التختم في اليسار على جهة الندب، وكان مالك يلبسه في يساره " انتهى باختصار.

وقال أبو الوليد الباجي رحمه الله:

" أجمع أهل السنة على التختم في الشمال، وهو قول مالك، وأكره التختم في اليمين، وقال إنما يأكل ويشرب ويعمل بيمينه فكيف يبدأ أن يأخذ الخاتم بيساره ثم يجعله في يمينه " انتهى.

" المنتقى شرح الموطأ " (٧/٢٥٦)

وجاء في " كشاف القناع " (٢/٢٣٦) من كتب الحنابلة:

" ولبس الخاتم في خنصر يسارٍ أفضل من لبسه في خنصر اليمين، نص عليه في رواية صالح والفضل، وأنه أقر وأثبت، وضعف في رواية الأثرم وغيره التختم في اليمنى.

قال الدارقطني وغيره: المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره " انتهى باختصار.

واستدلوا على ذلك بأدلة عدة:

١-عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى) رواه مسلم (٢٠٩٥) .

٢-فعل أكثر الصحابة: بل نقله ابن أبي شيبة في " المصنف " بأسانيده (٦/٦٨) عن أبي بكر وعمر وعثمان والحسن والحسين وابن عمر والقاسم وسالم وغيرهم من السلف، أنهم كانوا يتختمون في اليد اليسرى.

٣-لبسه في اليسار أسهل لمن أراد أخذه بيمينه ليختم به، فقد كانت كثير من الخواتيم تلبس لغرض الختم بها، فكان وضعه في اليد اليسرى أنسب لتحقيق هذا الغرض.

٤-اللبس في اليمين مذهب الرافضة، والمستحب مخالفة أهل البدع.

القول الثاني: اختيار اليمنى، وهو مذهب الشافعية.

يقول الإمام النووي رحمه الله:

" الصحيح المشهور أنه في اليمين أفضل؛ لأنه زينة، واليمين أشرف " انتهى.

" المجموع " (٤/٤٦٢)

واستدلوا على ذلك بأدلة عدة:

١- عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ، فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ. قَالَ جُوَيْرِيَةُ: وَلَا أَحْسِبُهُ إِلَاّ قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى. رواه البخاري (٥٨٧٦) ، وفي رواية عند مسلم أيضا (٢٠٩١) فيها التصريح باليمين أيضا.

٢- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه:

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ) رواه مسلم (٢٠٩٤)

٣- عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ) رواه أحمد في " المسند " (٣/٢٦٥) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة. وقال فيه الإمام البخاري: " هذا أصح شيء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب " انتهى. " سنن الترمذي " (رقم/١٧٤٤) .

٤- وقال الترمذي: " وفي الباب عن علي، وجابر، وعبد الله بن جعفر، وابن عباس، وعائشة، وأنس. حديث ابن عمر حديث حسن صحيح " انتهى.

٥- واستدلوا ـ أيضا ـ بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان (يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) رواه البخاري (١٦٨) ، والتختم من الزينة التي يستحب التيامن بها.

وأجابوا عن أدلة القول الأول بأن الأحاديث الواردة في إثبات لبس النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم في اليد اليمين أصح وأكثر، فينبغي ترجيحها على غيرها.

قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله:

" في اليمين أفضل لأنه الأكثر في الأحاديث " انتهى.

" تحفة المحتاج " (٣/٢٧٦)

كما أجاب الإمام النووي رحمه الله على استدلالهم بكون اللبس في اليمين من شعار الروافض بقوله رحمه الله:

" ليس هو في معظم البلدان شعارا لهم، ولو كان شعارا لما تركت اليمين، وكيف تترك السنن لكون طائفة مبتدعة تفعلها " انتهى.

" المجموع " (٤/٤٦٢)

وأما استدلال الجمهور بتختم بعض الصحابة في اليد اليسرى فيجاب عنه بأنه قد ورد عن صحابة آخرين التختم باليمين، كما أسنده ابن أبي شيبة في " المصنف " (٦/٦٥) عن ابن عباس، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن جعفر، بل قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

" جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جم من الصحابة والتابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم التختم في اليمنى " انتهى.

" فتح الباري " (١٠/٣٧٢)

وقد ذهب بعض العلماء إلى مشروعية الأمرين جميعا: التختم في اليمين وفي اليسار، وذلك عملا بجميع الأحاديث الواردة.

قال ابن القيم رحمه الله:

" واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه، وكلها صحيحة السند " انتهى.

"زاد المعاد" (١/١٣٩) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

" والصحيح أنه سنة في اليمين واليسار " انتهى.

" الشرح الممتع " (٦/١١٠)

ثانيا:

أما تحديد الأصبع الذي يستحب لبس الخاتم فيه فهو " الخنصر " كما ورد في السنة النبوية.

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا، قَالَ: إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ. قَالَ: فَإِنِّي لَأَرَى بَرِيقَهُ فِي خِنْصَرِهِ)

رواه البخاري (٥٨٧٤) ، وبوب عليه بقوله: باب الخاتم في الخنصر.

بل ورد النهي عن لبسه في الوسطى والسبابة، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في أصبعي هذه أو هذه قال: فأومأ إلى الوسطى والتي تليها) رواه مسلم (٢٠٧٨) .

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>