للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

على يد مَنْ يكون التغيير، وواقع المسلمين يتناقض مع عظمة دينهم

[السُّؤَالُ]

ـ[إن الإسلام هو الدين الوحيد القائم على العدل والذي يحل مشاكل الإنسانية خاصة في الأحداث الراهنة، هذه هي الحقيقة الكونية. وواجب المسلمين جميعًا أن يجتهدوا في تطبيق هذا الدين حتى ترتقي البشرية، لكن للأسف انحط المسلمون ونزلوا إلى أدنى المراتب. ألا تعتقد ـ في ظل هذه الحال ـ أن الله سبحانه وتعالى قد يختار قومًا آخرين يأتي التغيير المطلوب على أيديهم بعد أن سلك المسلمون طرق النفاق والرياء؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

ليس من شك في تلك الحقيقة الكونية التي ذكرتها، والعدل بين الناس أصل شرعي عام مع كل أحد، سواء في استحقاقه المؤمن والكافر، والحبيب والبغيض؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة/٨، وقال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) الشورى/١٥

وليس من شك، كذلك، في أنه لا أمل لهذه البشرية في النجاة من مشكلاتها، ولا هداية لها من ضلالها، إلا بهذا الدين، قال الله تعالى: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُون َ) يونس/٣٢ (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون َ) الأعراف/٩٦ وليس صلاح البشرية على هذا الدين، وفسادها بتركه، لما تضمنه من العدل مع جميع الخلق، فحسب، بل إن أعظم ما يصلح البشرية على هذا الدين قيامه على التوحيد الخالص لرب العالمين؛ فلا عبودية لملك ولا جان، ولا بشر ولا حجر، وكما أنه لا صلاح للخلق إلا أن يكون الخالق واحدا، فكذلك لا صلاح له إلا أن يكون الآمر واحدا، وهو الله، سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) الأعراف/٥٤ (لوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الأنبياء/٢٢ وانحراف البشرية عن هذا الأصل العظيم هو أعظم أسباب التيه الذي تعيشه، والشقاء الذي تتقلب فيه، قال تعالى:) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام/٧١ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى* وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) طه/١٢٤-١٢٧

ولقد كان من حكمة الله في خلقه أن يكون في الناس فريقان: مؤمن وكافر، طائع وعاص، وأن يحصل التدافع بين الفريقين: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة/٢٥١ (ُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج/٤٠

ولله في ذلك الحكمة البالغة؛ فيتميز الصادق من الكاذب، وليعلم الله من ينصره ورسله ممن يحاربه ويعاديه، وهذه هي حقيقة الابتلاء في هذه الحياة: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) محمد/٤ وما أشرت إليه من انحراف أكثر المسلمين عن تعاليم هذا الدين فهو واقع أكثر المسلمين اليوم إلا من رحم ربي من الطائفة المنصورة المتمسكة بالحق، وهذا هو أعظم محنة لنا في هذا الزمان، وهو سبب ما يعانيه المسلمون من ضعف وهوان، وتسلط عدوهم عليهم، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) رواه أبو داود ٣٤٦٢، وصححه الألباني في الصحيحة ١١

ولقد حذر الله تعالى عباده، في غير آية من كتابه، عاقبة تفريطهم في دينهم، وتهاونهم في الأمانة التي حملوها، وأن وبال ذلك عائد عليهم هم، والخسارة خسارتهم، وأما دين الله فهو محفوظ بحفظه سبحانه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/١٤٤

وحين ينسلخ جيل الكسالى، الذين تولوا عن الميدان، وتفلتوا من حمل الأمانة، يأتي دور الجيل المصطفى لهذه المهمة، الذي شرفه الله بحمل أمانة دينه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة/٥٤ (هَاأنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) محمد/٣٨

لكنا نعود لنقول إن هذا الجيل هو من المسلمين أنفسهم، وليس من غيرهم؛ فلن يكون جيلا من الملائكة يحمل ما تركه البشر، ولن يكون أمرا كونيا، أو معجزة إلاهية تنصر قوما من النيام، ولن يكون كذلك جيلا من الكفار ينصرون دين الله، وما كانوا أولياءه، فليس لله ولدينه أولياء، إلا المتقون. وساعة يتحقق ذلك الجيل، يأت نصر الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد/٧ ويبقى دورنا نحن في إعداد أنفسنا، وتربية أبنائنا وأهلينا، ودعوة غيرنا، لنكون من هذا الجيل، أو على الأقل، خطوة في طريقه.

نسأل الله تعالى أن يوقفنا لما يحب ويرضى، وأن ينصر دينه بنا.

والله تعالى أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>