للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وهب أولاده أرضاً وبنى لبعضهم بيوتاً ولم يفعل ذلك مع إحدى بناته!

[السُّؤَالُ]

ـ[حال حياة والدنا رحمه الله وهب قطعة من الأرض للأبناء، والبنات، والزوجة، ما عدا بنتاً واحدة (ميسورة الحال مقارنة بالآخرين) وقال: هذه الأرض لفلان، وفلان، وذكر أسماءهم (ماعدا البنت المذكورة) ، وبعد ذلك قام الوالد رحمه الله ببناء ثلاث فيلات من ماله الخاص لثلاثة من الموهوب لهم على جزء من الأرض الموهوبة (شارك أحدهم في سداد جزء من قيمة الفيلا المخصصة له) ، وخلال فترة البناء التي استمرت عدة سنوات كانت البنت التي لم تشملها الهبة على علم بذلك، ولم تعترض، وقام الثلاثة بالسكن في فيلاتهم بعد الانتهاء من أعمال البناء، وتم توزيع الثلاث قطع الأخرى على باقي الموهوب لهم تمهيداً للبناء عليها عندما يتيسر حالهم، علماً بأن الأرض تتسع لعدد (٦) فيلات فقط بعدد الموهوب لهم. وبعد وفاة الوالد رحمه الله ترك الكثير من العقارات، والأموال النقدية والحمد لله، وانحصر ورثته في الزوجة، وولدين، وأربع بنات، (الزوجة ٨ أسهم، كل ولد ١٤ سهماً، كل بنت ٧ أسهم من عامة ٦٤ سهماً) ، ولا خلاف مطلقاً على الأنصبة المذكورة في جميع أموال التركة، ولكن الخلاف حدث بشأن الأرض الموهوبة؛ لأن البنت التي لم تشملها الهبة تطالب الآن بنصيبها في الأرض الموهوبة بمقولة أن الوالد رحمه الله لم يسجل الأرض بأسماء الموهوب لهم، ولم يقل إنها لا تستحق شيئاً في تلك الأرض، وبالتالي فالهبة لا تسري عليها، وأن قبض الموهوب لهم للأرض والبناء على جزء منها قبل وفاة الأب لا يسري عليها، فما هو حكم الشرع الحنيف؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

يجب على الأب أن يعدل فيما يعطي أولاده من الهدية أو الهبة.

فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَارْجِعْهُ) رواه البخاري (٢٤٤٦) ومسلم (١٦٢٣) .

" نحلت ": أي: أعطيت، من النِّحلة، وهي العطاء.

قال النووي رحمه الله:

وفي هذا الحديث: أنه ينبغي أن يسوي بين أولاده في الهبة، ويهب لكل واحد منهم مثل الآخر، ولا يفضل.

"شرح مسلم" (١١/٦٦) .

وقال الشوكاني رحمه الله:

وهذه الأحاديث تدل على وجوب التسوية، وأن التفضيل باطل، جور، يجب على فاعله استرجاعه، وبه قال طاوس، والثوري، وأحمد، وإسحق، وبعض المالكية، وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فقط، وأجابوا عن الأحاديث بما لا ينبغي الالتفات إليه.

" الدراري المضية شرح الدرر البهية " (١/٣٤٨) .

والعدل: أن يعطي للذكر مثل حظ الأنثيين، كما في قسمة المواريث، لأنه لا أعدل من قسمة الله تعالى.

وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال (٢٢١٦٩) .

ولا يمنع من وجوب التسوية في العطية كون أحد الأولاد غنيّاً، أو له وظيفة، أو كانت البنات متزوجات.

فقد سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:

لدي أولاد، وبنات، فهل يجوز لي أن أعطي البنات دون الأولاد، مع أن الأولاد في وظائف، ويعطونني، لكنني أرفض، والبنات متزوجات؟ .

فأجاب:

"النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالعدل في العطية بين الأولاد، قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) - رواه البخاري -، فلا يجوز للوالد أن يخصص بعض أولاده بعطية، ويترك الباقين، بل عليه أن يسوِّي بينهم في العطية، ويعدل بينهم؛ كما أمر الله تعالى بذلك، ولو كان بعضهم في وظائف، وبعضهم ليسوا موظفين؛ فالعدل واجب" انتهى.

"المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان" (٣ / ٣٣٣، السؤال رقم ٤٩٦) .

فقد أخطأ والدكم رحمه الله لأنه لم يعط أختكم أرضاً كما أعطاكم جميعاً، وأخطأ حيث لم يبنِ لغير الثلاثة من أبنائه ما بنى لهم، وكان الواجب عليه العدل في هبة الأرض، وفي البناء الذي أقامه عليها.

وبما أن والدكم قد توفي: فإن الواجب عليكم الآن إشراك أختكم في جميع تركة والدكم، بما في ذلك ما وهبه لكم دونها، وكونها غنية لا يبيح لوالدكم حرمانها من العطية – كما سبق -، وسكوتها لا يعني قبولها، ويدل على ذلك مطالبتها بحصتها بعد وفاته؛ فإن من عادة الأولاد السكوت في مثل هذه الحال حياءً من والدهم، وليس رضاً بصنيعه.

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز للوالد أن يسجل مزرعة لأحد أولاده ويترك باقي الأولاد؟ والدي سجل لي مزرعة وترك أختي وأخاً صغيراً، هل أنا أتكفل بهؤلاء الأبناء أم أتركهما؟ .

فأجابوا:

"يجب على الوالد أن يسوِّي بين أولاده في العطية حسب الميراث الشرعي، ولا يجوز له تخصيص بعضهم دون بعض؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه: (أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: فأرجعه) متفق عليه.

وعليه: فيجب على والدك أن يعدل العطية التي حصلت منه لبعض أولاده بأن يعطي كل واحد من أولاده مثل ما أعطى المذكور، أو يسترجع العطية منه، وإن كان والدك قد مات: فاقسم التركة بينك وبين بقية الورثة، حسب الحكم الشرعي" انتهى.

الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ بكر أبو زيد.

" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٦/٢١٦) .

فيجب تقسيم جميع التركة بما فيها الأراضي والأبنية الموهوبة من والدكم على جميع الورثة حسب القسمة الشرعية.

ويضاف لأخيكم الذي سدَّدَ جزءاً من قيمة الفيلا المخصصة له ما أنفقه من أموال، فتضاف إلى نصيبه من الميراث.

ثانياً:

ما أعطاه والدكم رحمه الله لوالدتكم من هبة: فإنها لا تُرجعه، ولا تضعه في التركة؛ لأن العدل إنما يجب في هبة الأولاد، ويجوز أن يخص الزوجة بشيء دون أولاده، فإن كانت قبضته في حياته فهو لها ولا يدخل في التركة، وإن كانت لم تقبضه فإنه يدخل في التركة ويقسم على جميع الورثة.

قال النووي رحمه الله في "روضة الطالبين":

وأما شرط لزوم الهبة فهو القبض، فلا يحصل الملك في الموهوب والهدية إلا بقبضهما. هذا هو المشهور.

وانظر: "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٣٠، ١٣١) .

ولا يشترط في القبض أن يكون قد سَجَّل الأرض رسمياً باسم والدتكم، بل يكفي أنه عَرَّفها حدودها، وصارت متمكنة من التصرف فيها.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>