للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أسباب عقوبة القتل في الإسلام

[السُّؤَالُ]

ـ[أود أن أعرف أسباب ومسوغات وشروط تطبيق حد الإعدام (القتل) في الإسلام.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

عقوبة الإعدام (القتل) تثبت في حق الشخص إذا انطبقت عليه الأوصاف التالية:

١- المرتد، وهو من كفر بعد إسلامه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخاري (٦٥٢٤) .

٢- الزاني المحصن: وعقوبته الرجم بالحجارة حتى الموت.

والمحصن: هو من تزوج ووطيء زوجته في قبلها في نكاح صحيح، وهما حران عاقلان بالغان، فإذا زنى المُحصن أو زنت المُحصنة فإنهما يُرجمان حتى الموت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " رواه مسلم (١٦٩٠) .

ولما روى البخاري (٢٧٢٥) ومسلم (١٦٩٨) عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما قالا: " إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله.

فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه - نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل.

قال: إن ابني كان عسيفا على هذا (أي استأجره ليعمل عنده) فزنى بامرأته.

وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة.

فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله؛ الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام.

واغد يا أنيس (وهو أحد الصحابة) إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.

قال فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

والعسيف: الأجير.

٣- القاتل عمدا: يقتل قصاصا إلا إن عفى عنه أولياء المقتول أو رضوا بالدية؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة / ١٧٨ وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة / ١٧٩

ولقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري (٦٤٨٤) ومسلم (١٦٧٦) .

٤- قاطع الطريق، وهو المحارب؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة / ٣٣.

٥- الجاسوس. وهو من يتجسس على المسلمين وينقل أخبارهم إلى أعدائهم.

ودليل ذلك ما رواه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) أن حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ كتب إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلا ارْتِدَادًا وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ صَدَقَكُمْ. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.

ووجه الاستدلال من الحديث إقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمر على استحقاق حاطب القتل على هذا الفعل، غير أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبره أن هناك مانعاً وهو أنه ممن شهدوا غزوة بدر.

قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٢/١١٥) عن حديث حاطب بن أبي بلتعة:

استدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله، واستدل به من يرى قتله كمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد رحمه الله وغيرهما، قالوا: لأنه علل بعلة مانعة من القتل غير موجودة وهي شهود بدر، ولو كان الإسلام مانعا من قتله لم يعلل بأخص منه وهو شهوده بدراً اهـ بتصرف.

وقال في موضع آخر من " زاد المعاد " (٣/٤٢٢) :

والصحيح أن قتله –يعني الجاسوس- راجع إلى رأي الإمام فإن كان قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم اهـ.

ويدخل فيما سبق: قتل تارك الصلاة والساحر والزنديق، لدخولهم تحت قوله صلى الله عليه وسلم " التارك لدينه المفارق للجماعة ".

وأما شروط تنفيذ هذه العقوبة، فكثيرة، ولكل جريمة شروطها الخاصة بها، وينظر تفصيلها في كتب الفقهاء.

ولمعرفة الحكمة من قتل المرتد والزاني المحصن، انظر السؤال رقم ٢٠٣٢٧

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>