للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

تزوجها عرفياً ثم تركها وهرب

[السُّؤَالُ]

ـ[تعرفت على شاب، وخدعني بأنه يريد الزواج مني، ولكن لا يستطيع إعلان ذلك الآن ولا التقدم لأهلي، وتزوجني عرفياً وكتبنا ورقة بذلك، ثم ذهب وتركني. فهل أنا زوجته فعلاً؟]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

لا نزال نسمع مثل هذه المآسي، فإلى متى تظل بناتنا غافلات لا يدرين ما يريده أولئك المجرمون؟

كل واحدة منهن تقول: إنني واثقة من نفسي، وواثقة من هذا الشاب، إنه ليس كغيره، ثم إذا نال منها ما يريد تركها وهرب.

عشرات القصص بل مئات بل أكثر، فيها هذه المآسي، تتكرر، ولا تزال تتكرر.

لقد كان الشرع حكيماً لما منع المرأة من التبرج وإظهار زينتها أمام الرجال الأجانب عنها.

وكان حكيماً لما منع المرأة من مخالطة الرجال الاختلاط المستهتر الذي لا يأتي إلا بالشر.

وكان حكيماً لما منع المرأة من الكلام مع رجل أجنبي عنها من غير حاجة أو داع لذلك.

وكان حكيماً لما سد الطريق أمام الغاوين والذين في قلوبهم مرض، فأَمَرَ المرأةَ بالحجاب، والتستر، والبعد عن مجامع الرجال ما أمكنها ذلك، وحَرَّم لمس المرأة للرجل الأجنبي عنها، وحرم خلوته بها، وحرم التكسر والميوعة في الكلام – وغير ذلك كثير.

كل ذلك حفاظاً عليها وعلى عفتها، وعلى المجتمع بأسره من الرذيلة والفاحشة، حتى يسود العفاف والطهر والحياء.

ولما خالفت المرأة كل ذلك، وقعت فريسة لذئاب لا يراعون لله حرمة، فلا دين ولا خُلق يمنعهم من شيء، ثم تندم المرأة ... ولكن بعد فوات الأوان، وقت لا يمكن للندم أن يعيد ما فات.

لقد كان الشرع حكيماً لما منع المرأة من تزويج نفسها، بل اشترط أن يتولى ذلك وليها، فإنه أقدر منها على اختيار الزوج المناسب لها، وحتى لا تنخدع المرأة، ويتلاعب بها المجرمون.

وزواج المرأة بلا ولي، حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه زواج باطل، فقال صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) رواه الترمذي (١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٣) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٨٤٠) .

فإذا انضم إلى ذلك التواصي بكتمانه، فلا يتم إعلانه ولا إعلام الناس به، فهو الزنا الذي لا يرتاب أحد فيه، ولا يغني مجرد ورقة يتم كتابتها، فهذه الورقة لا قيمة لها، ولا تغير الحرام إلى حلال.

فما يسميه الناس "نكاحاً عرفياً" ويكون بدون علم الولي، ولا شهود، ولا إعلان، هو نكاح باطل، وهو زنا، وليس بنكاح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وأما " نكاح السر " الذي يتواصون بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحداً: فهو باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح، قال الله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) النساء/٢٤.

" مجموع الفتاوى " (٣٣ / ١٥٨) .

وقال أيضاً:

"إذا تزوجها بلا ولي، ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة، بل الذي عليه العلماء أنه (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) ، (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) ، وكلا هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غير واحد من السلف: لا نكاح إلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ومالك يوجب إعلان النكاح.

و" نكاح السرِّ " هو من جنس نكاح البغايا" انتهى

" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ١٠٢، ١٠٣) .

فعلى هذا؛ فما تم بينكما ليس بزواج شرعي، ولست زوجة لهذا الرجل.

وقد سبق بيان حكم النكاح العرفي في جواب السؤال رقم (٤٥٥١٣) و (٤٥٦٦٣) .

وفي جواب السؤال رقم (٧٩٨٩) تجدين الأدلة على بطلان النكاح بلا ولي.

وأخيراً ... ندعوك إلى التوبة إلى الله تعالى والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى ذلك، والعزم على إصلاح العمل والاستقامة على شرع الله، فإن الله تعالى وعد من تاب من المعاصي، وأصلح العمل، وعده بالتوبة والمغفرة، قال الله تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة/٣٩، وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، نسأل الله تعالى أن يوفقك للتوبة وأن يتقبل منك.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>