للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

تخرَّج من تخصص " موارد مالية " ويشكو من عدم وجود فرص لعمل مباح

[السُّؤَالُ]

ـ[درست " إدارة أعمال " تخصص " موارد مالية " وعليه فأنا مؤهل للعمل في أي مكان يتعامل مع الأموال، كالبنوك - مثلاً -، ولكني بعد أن تخرجت انصدمت بأن هناك فتاوى تقول إن معظم البنوك تتعامل بالربا، وأنه لا يمكن العمل فيها، ليس ذلك فحسب، بل إن هناك الكثير من الشركات، والقطاعات تتعامل بالربا. سؤالي هو: هل أنتم متأكدون من هذه الفتوى؟ ما العمل إذن؟ أين نذهب بهذه المؤهلات والشهادات؟ هل ذهبت كلها أدراج الرياح، أم أنه يتوجب عليَّ بعد هذه السنوات من الدراسة أن أعمل نادلاً في أي مقهى؟ أنا أعلم أنكم ستقولون إن هناك بنوكاً إسلامية، ولكني أظن أن هذا غير موجود، وإنما مثل البنوك الإسلامية في هذه الأيام كمثل النبيذ الذي مر عليه ردح من الزمن ولكنه في قارورة جديدة؟ أرجو التوضيح.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

نحتاج منك أن تخفف حدتك في الكلام، وتهون على نفسك، فلسنا نحن الذين أشرنا عليك بدخول الجامعة، ولا دراسة ذلك التخصص، ولا نحن الذين فرضنا هذه المناهج، ولا نحن الذين أغرينا البنوك والشركات والأفراد بالتعامل بالربا، وكان عليك أن تنظر أولاً أين تضع رجلك ثم تضعها، فكان عليك أن تسأل هذا السؤال قبل دخول الجامعة وتحديد التخصص.

ومع غضبك الواضح في رسالتك: إلا أننا أحببنا فيك حرصك على الالتزام بالحكم الشرعي، وإلا فما الذي يجعلك تراسل موقع فتاوى لتسأله عن حكم عملك المستقبلي لولا أنك تريد طيب المكسب، وحِلَّ اللقمة؟ فنرجو أن لا يخيب ظننا بك أنك تريد الحق، وتبحث عن مصدرٍ للكسب الحلال.

ثانياً:

نعم، نحن متأكدون من تحريم العمل في البنوك الربوية – في جميع أقسامها -، فلا يحل لمسلم أن يعمل في بنك ربوي، ولو كان يعمل حارساً للبنك.

وانظر جوابي السؤالين: (٢٦٧٧١) و (٢١١١٣) .

ولبيان حكم العمل محاسباً في الشركات والمصانع: انظر جوابي السؤالين: (١١٢١٧٥) و (١٠٣١٨١) .

ومما يدعو للأسف والحزن أن كل من تخرَّج من مثل تخصصك لا يجد عملاً حلالاً بسهولة؛ وذلك لكثرة وجود الربا في قطاعات كثيرة من أماكن العمل، حكومية كانت، أو خاصة.

وليست دراستك الجامعية بعذر لك حتى تباشر عملاً محرَّماً، فالواجب على المسلم أن يعتني ويهتم بأن يكون كسبه حلالاً لأن (كل جسد نبت من حرام فالنار أولى به) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

ولنذهب معك إلى أسوأ ما تتوقعه أنت: فلتذهب تلك الشهادات أدراج الرياح، والمهم أننا لا نغضب ربنا تعالى في أعمالنا، ولا نكسب اللقمة الحرام.

والإنسان إذا ترك الدنيا كلها ـ لو كانت له ـ وفاز بجنة الخلد، فهو بمنزلة من ترك حجراً لا قيمة له، وأخذ جوهرة هي أثمن وأنفس ما يكون، فهل يحق لهذا أن يحزن على ما تركه من الدنيا؟

ومع هذا، فهناك مجالات للعمل المباح بشهاداتك، فهناك "القنوات الفضائية الإسلامية" وهناك "البنوك الإسلامية" وهناك الشركات والمصانع والمؤسسات التي يملكها أهل الاستقامة ممن يتحرون الحلال في أعمالهم – وهم كثر ولله الحمد -، كما يمكنك العمل في " محل للصرافة "،.... إلخ. وهكذا في أعمال مباحة مثلها، لا تخرج عن تخصصك، ولا تضيع عليك سنوات دراستك في الجامعة.

ثالثاً:

قولك "أم أنه يتوجب عليَّ بعد هذه السنوات من الدراسة أن أعمل نادلاً في أي مقهى": يستحق وقفة معه.

فأهل الاستقامة يبحثون عن الأعمال المباحة، ولا تستهويهم المناظر والمظاهر على حساب دينهم والتزامهم بأمر ربهم تعالى، فربَّ عامل في محطة "بنزين"، أو "كهربائي" سيارات، أو "سائق أجرة" أقرب إلى الله من كثير ممن يجلس على مكتب "رئيس مجلس إدارة"، أو مكتب "مدير"، أو حتى "رئيس"، ودينار يكسبه أولئك من أعمالهم الحلال خير وأبرك من آلاف الدنانير التي يكسبها غيرهم ممن رضي العمل في وظيفة محرَّمة، فالعبرة بما يرضاه الله ويبارِك فيه، لا بما يَرضاه لك الناس، ويثنون عليك به، ولو كان مسبِّباً لسخط ربك، ولهذا لا تعجب إن علمتَ أن هناك أئمةً وعلماء في دين الله تعالى عُرفوا بمهنهم وأعمالهم، فمنهم من عمل في صناعة الأحذية! "الإسكافي"، ومنهم من عمل في تجارة الزيت، بل أنبياء الله ورسله وهم أشرف البشر، كانوا يعملون ليأكلوا من كسب أيديهم، فزكريا عليه السلام كان نجاراً، وداود عليه السلام ـ مع ما كان فيه من الملك ـ كان حداداً.

بل ما من نبي إلا رعى الغنم، كما روى البخاري (٢١٤٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) .

وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأكل الإنسان من عمل يده، روى البخاري (١٩٦٦) عَنْ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) .

وقد ألَّف العلماء في بيان المكاسب الحلال، والحث عليها، والتحذير من الكسب الحرام مؤلفات كثيرة، منها: كتاب "الكسب" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وكتاب "الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل" للإمام الخلَاّل، وكتاب "البركة في فضل السعي والحركة " للإمام أبي عبد الله محمد بن عبيد الرحمن الوصابي الشافعي، وكتاب " تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحِرف والصنائع والعمالات الشرعية" لأبي الحسن الخزاعي التلمساني، وكلها مطبوعة.

ولمعرفة جملة كبيرة من العلماء نسبوا إلى حرفة أو مهنة: انظر كتاب "الطرفة فيمن نُسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة" تأليف عبد الباسط بن يوسف الغريب.

وللوقوف على أنواع المكاسب المحرَّمة، وما هي مصادر كسب الصحابة؟ وما أفضلها؟ : انظر جواب السؤال رقم: (١٠٧١٤٤) .

والحاصل:

إما أن تعمل بشهادتك في مجال مباح، أو في غير مجالها – وكثيرون يفعلون ذلك – وهو مجال رحب واسع.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر لك عملاً حلالاً طيبا مباركاً فيه.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>