للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

اهتدى حديثاً ويسخر منه أهله وأصدقاؤه، فكيف يتصرف؟

[السُّؤَالُ]

ـ[لقد كنت من المسرفين في الذنوب والمعاصي، وكان أهون شيء عندي فعل المعصية، كنت من المتعاطين للمخدرات (الحشيش، الحبوب الكبتاجون، الخمر) كنت ممن يزنون، من الله عليَّ فتزوجت، وقبل الزواج تبت من معصية الزنا، ولله الحمد، بقي معي تعاطي المخدرات، وكان سببها الصحبة الفاسدة، وفي يوم من الأيام توفي لي ابن عم يقربني سنّاً، ولكن لم يتزوج، ففكرت في حالي وأنه أصغر مني قد توفي، وكنا في نفس المعصية تعاطي المخدرات، فمنَّ الله عليَّ بالهداية، وتركت كل شيء، حتى الدش - يا شيخ - كسرته، وتغيرت حياتي ١٨٠ درجة، أصبحت: أتصدق، أصلي، أدعو للخير، أوزع أشرطة، كتيبات، مطويات، أحضر محاضرات، آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر. المشكلة: واجهت كثيراً من الانتقادات، أولها من الأهل - الوالدة والأخوات - بأنني متشدد، متزمت، يريدون أن يسمعوا الأغاني، وينظروا إلى المسلسلات، وإذا نصحتهم وقلت لهم هذه حرام ما يجوز يردون علي: " لماذا شرع الاستغفار؟ إذا لا تريد تسمع أغاني وتتفرج على التلفزيون اطلع نحن نريد نتفرج ونسمع "، ونفس المشكلة تحصل معي في العمل، طلعت مرة، ومرتين، زوجتي تقعد معهم، وإذا خرجت أخذتها معي، ويطلبون مني أني أخليها تجلس معهم، وأنا أرفض، وزوجتي تستحي من الأهل، وتخاف يصير مشاكل، وإذا تركتها تجلس معهم تقوم تجلس بعيده عن التلفزيون تجلس لحالها وأحيانا أسمع دعوة من الوالدة تقول: " ليت الله ما هداك، آذيتنا! " أعوذ بالله مشكلتي في العمل / أنا أعمل في القطاع العسكري، أصحابي كلهم من الصحبة السيئة، الملتزمون ٣ فقط، الملتحون ٦، ممن يتغاضون عن أشياء كثيرة، وأن هذا ليس من الدين في شيء، والبقية منهم يشرب الحشيش ويستخدم المخدرات، ومن يغازل النساء، طبعاً الغالبية مدخنون. يا شيخ اتفقوا على الإساءة إليّ، فلا أدخل في مجلس إلا يذكروني بالماضي، ويستهزئون بالملتحين، ويسبونهم، وينعتونهم بـ " الكذابين " و " الإرهابيين "، وأنا تصيبني الغيرة، وأقول لهم: أنتم تسبون إخوانكم، يعني: مسلمين، ما يجوز، حرام تستهزئون باللحية لأنها سنة. يا شيخ أساؤوا لسمعتي، في أغلب المجالس يكثر الانتقادات على الملتحين، ولا يذكرونهم بخير. يا شيخ أحس أني أجرمت في حق إخواني الملتزمين، هل معنى هذا أن التزامي بالشريعة وإطلاق اللحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان: أصبح جريمة لا بد أدفع ثمنها، أو أصير منحرفا مثلهم؟ يا شيخ حتى مديري يقول: أنتم الملتحون حاطكم تحت المجهر، والله أي غلطة ما أغفرها لكم. عملت بعض الحلول: أولاً: قدمت نقل من نفس الإدارة لإدارة أخرى، ولكنها ستطول قليلاً. ثانياً: كل من أساء الأدب بقول أو فعل قطعت علاقتي معه نهائيّاً، وهذا حد من المشكلة كثيراً جدّاً، ولكنه لا يعجبني؛ فقد أصبح الناس تحذر من التعامل معي والخوف من أن يغلطوا عليَّ، فأصبحوا ينفرون منِّي، وينفِّرون الناس. أرجو من فضيلتكم أن تجدوا لي الحل المناسب؛ لأني والله تعبت نفسيّاً.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولاً:

هنيئا لك هذه التوبة، يا عبد الله، وهنيئا لك رجوعك إلى ربك، وحمدا لله على سلامتك من طريق الضلال والغواية، ورجوعك إلى طريق الإنابة والهداية، زادك الله هدى، وبرا وتقى، وثبتك على صراطه المستقيم، إلى أن تلقاه على خير ما يحب ويرضى!!

واعلم أخي الفاضل أن الشيطان لن يستسلم بعد توبتك بسهولة، ولن يدعك لحال سبيلك؛ لأنك كنت من جنوده، وخرجت من غير إذنه ولا رضاه! فصرت من جنود الرحمن، وكنت في عصابة أوليائه، وانتقلت إلى طائفة أعدائه، فمنَّ الله عليك بالهداية، وغظتَه وكبتَّه، فمن المنطقي أن يحاول ـ بكل الوسائل ـ أن يعود بك إلى سابق عهدك، فعليك بالمثابرة، والثبات، والصحبة الخيرة الصالحة التي تعينك على الحق.

ونسأل الله أن يتقبل منك غيرتك على الدين، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وحب هداية الناس.

ثانياً:

اعلم أخي الفاضل أنه ينبغي النظر إلى قضيتك باعتبارين:

الأول: كونك تائباً مهتدياً.

والثاني: كونك داعياً إلى الله.

١. أما الاعتبار الأول:

فالوصية لك فيه: الصبر على الأذى، والتحمل للسفاهة، مع جواز استعمال الشدَّة إذا لزم الأمر، وذلك إذا تعلَّق الاستهزاء بالدين، وقدرت على منعه وإيقافه.

والشيطان له جنود يرسلهم للكيد والمكر وصد الناس عن الدين، وهؤلاء الجنود ليسوا من الجن كلهم، بل له جنود كذلك من الإنس، وهم الذين يقومون بمهامه في صرف الناس عن الطاعة، ودفعهم لفعل المعاصي، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) الأنعام/ ١١٢.

وقد طمأنك ربك تعالى، وبشرك بالثواب الجزيل يوم القيامة إن صبرت على أذى هؤلاء السفهاء في الدنيا، وذلك بالرفعة في الدرجات يوم القيامة، وقد توعدهم ربنا تعالى بالعقوبة البالغة إن هم ماتوا على سفهاتهم واستهزائهم بالمؤمنن.

قال تعالى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) البقرة/ ٢١٢.

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المطففين/ ٢٩ – ٣٦.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

يُخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم.

(وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم.

(وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّون) أي: لكونهم على غير دينهم.

قال الله تعالى: (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِين) أي: وما بُعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ. إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ. إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) المؤمنون/ ١٠٨ – ١١١.

ولهذا قال هاهنا: (فَالْيَوْمَ) يعني: يوم القيامة.

(الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك.

(عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ) أي: إلى الله عز وجل، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته.

وقوله: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء، وأتمه، وأكمله.

" تفسير ابن كثير " (٨ / ٣٥٣، ٣٥٤) .

فاصبر أخي الفاضل واحتسب الأجر على سفاهة هؤلاء، وداوم على تذكيرهم بحكم فعلهم، وأنهم إن تعرضوا للدين باستهزاء وسخرية فقد خرجوا من ملة الإسلام، ولحقوا بإخوانهم من الكفار والمجرمين، الذين سبق ذكر حالهم في الآيات السابقة.

٢. وأما الاعتبار الثاني:

فالوصية فيه أن تسلك الطرق المناسبة لعلاج هؤلاء المرضى، فأنت بهذه الاعتبار لست رجلاً عرف الطريق فسلكه، بل أنت الآن داعية إلى الله، تريد أن تعبر بهؤلاء بحر الظلمات ليصلوا إلى بر الأمان والسلامة، فالوصية لك أن تزيد من العلم الشرعي، والطاعات التي تقربك لخالقك عز وجل، وأن تكون حكيماً في تبليغ رسالة رب العالمين لهؤلاء المرضى، والحكمة هي وضع الشيء في مكانه المناسب، فالأصل في التعامل معهم الرفق واللين، ولا مانع من استعمال الشدة مع بعضهم إن رأيت أن ذلك يردعه.

قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) آل عمران/ ١٥٩.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح، والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم، والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! .

أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين، وحسن الخلق، والتأليف، امتثالاً لأمر الله، وجذباً لعباد الله، لدين الله.

ثم أَمَرَه الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان.

" تفسير السعدي " (ص ١٥٤) . وانظر: " تفسير الطبري " (٧ / ٣٤١) .

وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ! قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ.

رواه البخاري (٥٦٧٨) ومسلم (٢١٦٥) .

قال النووي – رحمه الله -:

هذا مِن عظيم خلُقه صلى الله عليه وسلم، وكمال حلمه، وفيه: حث على الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس، ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة.

" شرح النووي على مسلم " (١٤ / ١٤٥) .

وقال الشوكاني – رحمه الله -:

في الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين، إذا لم يترتب عليهم مفسدة.

" نيل الأوطار " (٨ / ١٤٦) .

ثالثاً:

وبخصوص أهلك:

عليك أن تصبر على أذاهم، وتداوم النصح والتذكير، ولا تيأس من ذلك، واحرص أشد الحرص على هدايتهم، ونوِّع في الأساليب، وتلطف معهم، ولا ترخ الحبل لزوجتك إذا كان في جلوسها مع أهلك معاصٍ أو منكرات، إلا أن تكون تستطيع تغييرها، ولا ينبغي أن يدفعها خجلها منهم إلى أن تُغضب ربها بسماع أو مشاهدة المحرَّمات، كما أن عليها مسئولية كبيرة في الوقوف مع زوجها، ونصرته، وتثبيته على الهداية والطاعة.

ونأسف لقول والدتك تلك المقولة الشنيعة، ولا ندري كيف قالتها ولعلها لا تعلم ما فعله بعض أصحاب المخدرات مع أمهاتهم وأخواتهم! ولا تدري ما فعلوه في إفساد الأسر، والمجتمعات، ولا تدري كم تبذل الأسر من مال ووقت وجهد حتى يصلح الله ولداً من أولادها يتعاطى المخدرات والمسكرات؛ لما رأوه من الأذى والضرر والشر منه.

وبخصوص عملك:

فإن رأينا أنك أحسنت في طلبك النقل إلى مكان آخر خير منه، وخاصة أنك في أول طريق الهداية والتوبة، وتحتاج لصحبة صالحة تدلك على الخير، وتحثك على فعله، وتحذرك من الشر، وتحثك على تركه.

ونعيد أن الأصل في التعامل هو الرفق واللين مع أهلك، وزملاء العمل، وغيرهم، ولا مانع من المخاشنة والشدة مع من يستحقها، إن رأيت في ذلك مصلحة لكف لسانه عن الدين والاستهزاء به.

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>