للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

كيفية التصرف في المال الحرام بعد التوبة

[السُّؤَالُ]

ـ[أنا محاسب في شركة حسابات. أقوم بتحضير البيانات الحسابية وعوائد الضرائب وتقديم نصائح للعملاء حول أمورهم المالية والضريبية. وعملاؤنا في الغالب من أصحاب المطاعم الصغيرة. ولدينا أيضًا بعض العملاء في الشهر العقاري وقطاع الأعمال الخاصة. بالنسبة لأصحاب المطاعم ـ من عملائنا ـ يقومون ببيع لحم الخنزير بجانب منتجات أخرى. وكافة عملاءنا يتعاملون بالربا (دفعًا واستلامًا) . وأحيانًا يلزم عليّ كتابة خطابات تبين حالة العملاء المالية مع سابق علمي أن هذا الخطاب سيتم استخدامه في أخذ فائدة قروض ربوية. فهل عملي حلال؟ إذا لم يكن حلالاً وقمت بترك هذا العمل والتحقت بعمل آخر حلال، فهل يجوز لي الاحتفاظ بالمال الذي اكتسبته وادخرته من هذا العمل؟ وهل يجوز لي استثمار هذا المال في أعمال أخرى؟ وهل يجوز لي أداء الحج بهذا المال؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

العمل في مجال تسجيل الربا أو حسابه، أو كتابة خطاباته، أو نحو ذلك مما فيه إعانة عليه، لا يجوز؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢

فالواجب ترك العمل في هذا المجال والاقتصار على الأعمال المباحة، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.

وانظر جواب السؤال (٥٩٨٦٤) ، ففيه تحريم المعاونة على الربا ولو بكتابة خطاب تعريف.

ثانيا:

من تاب إلى الله تعالى من عمل محرم، وقد اكتسب منه مالا، كأجرة الغناء والرشوة والكهانة وشهادة الزور، والأجرة على كتابة الربا، ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، فإن كان قد أنفق المال، فلا شيء عليه، وإن كان المال في يده، فيلزمه التخلص منه بإنفاقه في وجه الخير، إلا إذا كان محتاجا فإنه يأخذ منه قدر الحاجة، ويتخلص من الباقي، وليس له أن يحج منه؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.

قال ابن القيم رحمه الله: " إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية والمغنى وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده. فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لصاحبه في مقابلته نفع مباح.

وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين ... ". انتهى من "مدارج السالكين" (١/٣٨٩) .

وقد بسط ابن القيم الكلام على هذه المسألة في "زاد المعاد" (٥/٧٧٨) وقرر أن طريق التخلص من هذا المال وتمام التوبة إنما يكون: " بالتصدق به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي " انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فإن تابت هذه البغي وهذا الخمار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل، أُعطي ما يكون له رأس مال. " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٩/٣٠٨) .

وينظر تفصيل هذه المسألة في: "الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة"، للدكتور عبد الله بن محمد السعيدي (٢/٧٧٩- ٨٧٤) .

ثالثا:

يستفاد من كلام شيخ الإسلام السابق أن التائب من الكسب المحرم إن كان محتاجا فإنه يأخذ من المال قدر حاجته، وله أن يستثمر شيئا منه يجعله رأس مال في تجارة أو صناعة، ثم يتصدق بما زاد عن حاجته.

رابعا:

حيث إن عملك منه ما هو مباح، ومنه ما هو محرم، فاجتهد في تقدير نسبة الحرام، وتخلص مما يقابلها من المال الذي في يدك؛ فإن شق عليك التقدير، فتخلص من نصفه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: " ... وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما، جعل ذلك نصفين " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٩/٣٠٧) .

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>