للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

إذا عضلها الأولياء وعلمت أن القاضي لا يحكم في قضايا العضل

[السُّؤَالُ]

ـ[أنا فتاه أشرفت على بلوغ ال ٢٥ عاما وبضاعتي في الجمال قليلة، لم يتقدم لي إلى الآن أحد ممن أرجو خلقه ودينه ويكون كفئاً لي. تقدم لي شاب يبلغ من العمر ٢٨ عاما على خلق ودين، كفؤ لي من حيث المستوى العلمي والاجتماعي، ولكن أهلي رفضوه لا لعيب فيه، ولكن لأنه ليس من جنسيتي.

أهلي يعضلوني وأنا أريد هذا الإنسان، وتعلقت به، فأرى فيه من يحفظني ويحفظ لي ديني في هذا الزمن المليء بالفتن.

وهنا في بلدي قضايا العضل لا تقبل، وإن قبلها القاضي فإنه لا يحكم للفتاة، لتجنب المشاكل، وهذا عن علم ممن يعمل في القضاء.

لا يعلم بأمر هذا الخاطب إلا أمي وأختي، واثنان من إخوتي الرجال الأربع، أحدهما ضربني وأهانني بسبب طلبي هذا الأمر، ويجبروني على أن أبدو أمام الناس طبيعية وإلا ضربت وأهنت مرة أخرى، يطلبون مني ما لا أقوى عليه، فأنا في كرب وهم وحزن شديد، أبي متوفى ولي عم واحد واثنان من أبناء عمي وهم بنفس تفكير أهلي العاضلين لي وأشد، ولا يعلمون بأمر هذا الخاطب وأستطيع أن أؤكد أنهم سوف يعضلوني إن علموا بالأمر، ووصولي لهم وإبلاغهم صعب للغاية، خاصة أبناء عمي، فأنا ليس لي أي علاقة بهم، ولا أعرف كيفية الوصول إليهم في ظل تحجر إخوتي معي، وظلمهم الشديد لي، والأذى الذي يقع علي منهم، فهل عضل إخوتي لي وعلمي المسبق بعضل عمي وأبناء عمي مع الضرر الأكبر الذي قد يقع علي إن علموا يسقط ولايتهم علي أجمعين، فأختار أنا ولياً صالحاً لي يزوجني مع عدم قدرتي على اللجوء للقضاء، لأنه لا يطبق شرع الله، وهل إن فعلت ذلك أكون عاقة لأهلي وأمي التي تعارض الزواج لنفس السبب، مع العلم أنها من نفس جنسية هذا الخاطب!.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

لا يصح النكاح إلا بولي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي) رواه أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١١٠١) وابن ماجه (١٨٨١) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل. . . فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) رواه أحمد (٢٤٤١٧) وأبو داود (٢٠٨٣) والترمذي (١١٠٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧٠٩) .

ثانيا:

إذا منع الولي موليته من الزواج بكفء رضيتْ به، فقد عضلها. وبعض أهل العلم يشترط لثبوت العضل أن يتكرر المنع، فإذا تكرر منعها من الكفء، فهو عاضل، تنتقل الولاية لمن بعده من العصبة، ثم إلى القاضي.

قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (٩/٣٨٣) : " ومعنى العضل منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه. قال معقل بن يسار: زوجت أختا لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتُك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود إليك أبدا. وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (فلا تعضلوهن) فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجها إياه. رواه البخاري.

وسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أو دونه، وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد.

فإن رغبت في كفء بعينه، وأراد تزويجها لغيره من أكفائها، وامتنع من تزويجها من الذي أرادته، كان عاضلا لها.

فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها فله منعها من ذلك، ولا يكون عاضلا لها " انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " إذا منع الولي تزويج امرأة بخاطب كفء في دينه وخلقه فإن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأقرباء العصبة الأولى فالأولى، فإن أبوا أن يزوجوا كما هو الغالب، فإن الولاية تنتقل إلى الحاكم الشرعي، ويزوج المرأة الحاكم الشرعي، ويجب عليه إن وصلت القضية إليه وعلم أن أولياءها قد امتنعوا عن تزويجها أن يزوجها لأن له ولاية عامة ما دامت لم تحصل الولاية الخاصة.

وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أن الولي إذا تكرر رده للخاطب الكفء فإنه بذلك يكون فاسقا وتسقط عدالته وولايته بل إنه على المشهور من مذهب الإمام أحمد تسقط حتى إمامته فلا يصح أن يكون إماما في صلاة الجماعة في المسلمين وهذا أمر خطير.

وبعض الناس كما أشرنا إليه آنفا يرد الخطاب الذين يتقدمون إلى من ولاه الله عليهن وهم أكفاء. ولكن قد تستحي البنت من التقدم إلى القاضي لطلب التزويج، وهذا أمر واقع، لكن عليها أن تقارن بين المصالح والمفاسد، أيهما أشد مفسدة: أن تبقى بلا زوج وأن يتحكم فيها هذا الولي على مزاجه وهواه فإن كبرت وبرد طلبها للنكاح زوجها، أو أن تتقدم إلى القاضي بطلب التزويج مع أن ذلك حق شرعي لها.

لا شك أن البديل الثاني أولى، وهو أن تتقدم إلى القاضي بطلب التزويج لأنها يحق لها ذلك؛ ولأن في تقدمها للقاضي وتزويج القاضي إياها مصلحة لغيرها، فإن غيرها سوف يقدم كما أقدمت، ولأن في تقدمها إلى القاضي ردع لهؤلاء الظلمة الذين يظلمون من ولاهم الله عليهن لمنعهن من تزويج الأكفاء، أي أن في ذلك ثلاث مصالح:

مصلحة للمرأة حتى لا تبقى بلا زواج.

مصلحة لغيرها إذ تفتح الباب لنساء ينتظرن من يتقدم ليتبعنه.

منع هؤلاء الأولياء الظلمة الذين يتحكمون في بناتهم أو فيمن ولاهم الله عليهن من نساء، على مزاجهم وعلى ما يريدون.

وفيه أيضا مصلحة إقامة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) .

كما أن فيه مصلحة خاصة وهي قضاء وطر المتقدمين إلى النساء الذين هم أكفاء في الدين والخلق " انتهى، نقلا عن "فتاوى إسلامية" (٣/١٤٨) .

ثالثا:

الذي يظهر من سؤالك أن إخوانك لم يمنعوك من كفء آخر، وعليه فلا تتعجلي الأمر، فقد يسوق الله إليك من ترضين دينه وخلقه، ويرضى به إخوانك.

على أنه قد يكون إخوانك معذورين لرفضهم هذا الخاطب، لأنه من غير جنسيتك، وقد ثبت في الواقع حصول كثير من المشكلات بسبب مثل هذا الزواج.

فإذا تكرر منعهم من تزويجك ممن يكافئك، كان لك الحق في الذهاب إلى القضاء، فإن كان القاضي جباناً، فلم يزوجك خوفاً من أوليائك، فما بقي أمامك إلا أن تأخذي بقول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: وتزوجي نفسك، ويكون هذا موضع ضرورة.

والأولى لك أن تولي أمرك لرجل صالح من المسلمين يعقد لك النكاح.

هذا هو الحكم في مثل هذه الحالة.

إلا أننا لا نشير عليك أن تتزوجي بدون رضا أهلك، لأن من تختار ذلك – في الغالب – قد خسرت أهلها إلى الأبد، وعلى هذا، فقبل الاختيار، لا بد من المقارنة بين أمرين:

إما أن تتزوج بهذه الطريقة وتخسر أهلها، وإما أن تصبر وتنتظر لعلها يأتيها من يرضاه أهلها، ويكون مرضياً عندها أيضاً.

والمقارنة بين هذين الأمرين تختلف باختلاف الأحوال، فقد يكون الخيار الأول مقبولاً عند من كبر سنها، وتضاءلت أمامها فرص الزواج، ويكون الخيار الثاني مقبولاً، عند من دونها في السن، وترجو إن هي انتظرت سنة أو سنتين أن يوفقها الله لزوج صالح، ويزيل شكايتها.

وأخيرا. . الأمر كله بيد الله تعالى، فعليك بالالتجاء إليه، ودعاؤه أن يهدي أهلك، ويرزقك الزوج الصالح والذرية الصالحة التي تقر بها عينك.

ونسأل الله تعالى أن ييسر لك أمرك، ويفرج كربك.

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>